مشاهد تخطف الأنفاس لكوكبنا الأزرق وثّقتها عدسات محطة الفضاء الدولية، عارضةً لوحات فنية طبيعية تمتد من البحيرات العظمى في أميركا الشمالية وصولاً إلى شروق الشمس الساحر فوق أستراليا. هذه الصور التي وصفها موقع “ديجيتال تريندز” بالمذهلة، لم تغفل عن رصد القمر وهو يطل ببهائه فوق المحيط الأطلسي، أو حتى أضواء باريس وهي تتلألأ ليلاً، لتعكس جمالاً هادئاً يخفي وراءه تفاصيل تقنية وبشرية معقدة في الفضاء الخارجي.
مختبر عملاق بحجم ملعب كرة قدم
تُعد محطة الفضاء الدولية، التي التقطت هذه الصور، أغلى بناء شيده الإنسان في التاريخ بتكلفة تجاوزت 150 مليار دولار. هذا الصرح الذي بدأ بناؤه عام 1998 بتعاون أميركي روسي وتمويل من كندا واليابان ودول أوروبية، ليس مجرد هيكل معدني يسبح في الفراغ، بل هو مختبر علمي ضخم يوازي بمساحته ملعب كرة قدم. بطول 109 أمتار وعرض يتجاوز 72 متراً، توفر المحطة لروادها مساحات مريحة للمعيشة والعمل، حيث يقضي طاقمها المكون من ستة أفراد حوالي 35 ساعة أسبوعياً في إجراء أبحاث معمقة تشمل علوم الأرض والفيزياء والأحياء.
وتسير هذه المحطة بسرعة جنونية تصل إلى 27 ألف و600 كيلومتر في الساعة، ما يمكنها من إتمام دورة كاملة حول الأرض كل 90 دقيقة فقط، وهي سرعة تتيح لها نظرياً الذهاب للقمر والعودة في أقل من يوم واحد. ولضمان استمرارية الحياة على متنها، تعتمد المحطة على تقنيات متطورة، إذ تستمد الأوكسجين عبر عملية التحليل الكهربائي “Electrolysis” التي تفصل الهيدروجين عن الأوكسجين في الماء باستخدام تيار كهربائي تولده الألواح الشمسية الضخمة، بينما تتطلب أنظمتها الكهربائية صيانة يومية دقيقة لشبكة أسلاك تمتد لنحو 13 كيلومتراً.
تحولات في الاستراتيجية الفضائية الأميركية
وبينما تواصل المحطة الدولية دورانها المستقر في مدارها، تشهد الساحة الفضائية العسكرية في الولايات المتحدة تقلبات استراتيجية لافتة. فقد قررت القوة الفضائية الأميركية مؤخراً إنهاء برنامج “نظام تحديد المواقع العالمي المرن” المعروف بـ (R-GPS)، وهو مشروع كان يهدف لتعزيز شبكة الـ GPS عبر إضافة أقمار صناعية أصغر حجماً وأقل تكلفة. ورغم أن هذا البرنامج صُنف سابقاً كأولوية ملحة وبدأ فعلياً عام 2024 بتمويل فرق صناعية لتطوير نماذج أولية، إلا أن القرار جاء بوقف التمويل للمرحلة القادمة وعدم إدراجه في ميزانية العام المالي 2026.
المتحدث باسم قيادة أنظمة الفضاء عزا هذا التحول إلى وجود “أولويات أعلى لوزارة القوات الجوية”، مؤكداً أن المرحلة الأولية من البرنامج قد اكتملت وستفيد نتائجها في القرارات المستقبلية. وكان البنتاغون قد تعاقد في سبتمبر 2024 مع شركات مثل “أسترانيس” و”إل 3 هاريس تكنولوجيز” و”سييرا سبيس” لتطوير مفاهيم تعتمد على تصاميم تجارية، بهدف مواجهة التهديدات المتزايدة مثل التشويش والخداع الإلكتروني التي تتعرض لها المركبات الفضائية.
هذا الإلغاء يترك التساؤلات مفتوحة حول البدائل المتاحة، خاصة أن كوكبة الـ GPS الحالية، التي تعتمد عليها العمليات العسكرية والاقتصاد العالمي، ترتكز بشكل أساسي على أقمار صناعية باهظة الثمن وعالية القيمة من صنع شركة “لوكهيد مارتن”. وفي ظل مخاوف المشرعين المستمرة من هشاشة النظام الحالي، لم تفصح القوة الفضائية عما إذا كانت ستسعى لجهود بديلة، في وقت تتجه فيه الأنظار نحو خدمات الملاحة التجارية في المدار الأرضي المنخفض كخيارات احتياطية محتملة لضمان أمن الملاحة العالمية.