أخبار مميزةتقارير وملفات

نازحو طرابلس.. الهاربون من جحيم الحرب إلى نار التشرد

خاص المتوسط- هدى الغيطاني

يفترشون الأرض ويلتحفون السماء.. بعد أن اضطرتهم اشتباكات العاصمة طرابلس إلى اللجوء لمخيمات تعيدهم لغياهب بدائية صماء لم تسمع صرخاتهم الصامتة.. إنهم أكثر من 90 ألف نازح ومهجر.. رقم يرتفع كل يوم بعد أن اصبغت المدينة بلون الدم ورائحة الموت، بعد أن دمرت البيوت على رؤوس ساكنيها.. وانتهى بهم المطاف في الشارع، الذي كان أكثر رأفة بحالهم من حاملي البنادق والرشاشات من أبناء جلدتهم.. ذويهم في مختلف المدن كانوا الملجأ الأول، ومنهم من هرب للمدن المجاورة، ولكن بقي الالاف ممن تقطعت بهم السبل، فكانت المدارس والنوادي والفنادق ملاذهم الأخير.

90ألف نازح     

هذا حال نحو 18000 عائلة هربت من أتون الحرب والرصاص، وفي هذا الصدد قال وزير الدولة لشؤون النازحين والمهجرين المفوض بحكومة الوفاق، يوسف جلالة، في تصريحات خاصة للمتوسط أن أعداد النازحين جراء الحرب الدائرة بالعاصمة طرابلس في تزايد مستمر، مشيرا إلى أن عددهم وصل إلى نحو 90 ألف فرد أغلبهم من النساء والأطفال وكبار السن ويعيشون في ظروف غاية في الصعوبة خاصة وأن فترة الحرب قد طالت، الأمر الذي يجعلهم يقاسون أوضاعا اجتماعية ونفسية سيئة للغاية، مضيفا نحاول من جانبنا التخفيف من معاناتهم بالتنسيق والتعاون مع شركائنا المحليين الدوليين، حيث نعمل على تقديم ما يمكن تقديمه من المساعدات الإنسانية المتمثلة في المأوى والمواد الغذائية وغيرها من المستلزمات الأساسية.

ولفت إلى أن الحكومة خصصت مبلغ مائة مليون دينار موزعة على 65 بلدية داخل طرابلس وما حولها وضعت كلها تحت تصرف لجان الأزمة في تلك البلديات، مضيفا نسعي لتخصيص مبلغ آخر للبلديات خاصة الجنوبية والجفرة التي طالها النزوح والتهجير ايضا.

مخصصات غير كافية

كان ذلك تعليق وزير المهجرين والنازحين، ولكن تلك المساعدات التي تحدث عنها، وتلك المبالغ التي خصصت، هل كانت كافية، وهل صرفت في مواضعها المناسبة، هذا ما أجاب عنه عضو لجنة الاستجابة السريعة بلجنة أزمة حي الأندلس، مروان كرازة، عندما قال في تصريح خاص للمتوسط ” كل البلديات أخدت 4 ملايين دينار إلا بلدية حي الأندلس التي استلمت 980 ألف دينار” فقط، وهذا المبلغ غير كافي في ظل تزايد أعداد النازحين”، مضيفا البلدية عليها ديون بمعدل 700 ألف فكيف سيكفي هذا المبلغ”.

وتابع مستاءا من موقف الحكومة ” لم نستلم من حكومة الوفاق إلا ميزانية الأزمة التي جاءت متأخرة، حيث وصلت ثاني أيام عيد الفطر، وهي غير كافية، ورغم الوعود التي قدمت لعميد البلدية بزيادة المبلغ 500 ألف ولكن هذا أيضا سيكون غير كافي مع أعداد النازحين واحتياجاتهم”، وتابع متسائلا ” لماذا هذا التهميش”.

ولم يكن رأي عضو فريق لجنة الطوارئ سوق الجمعة خالد الزليطني مختلف كثيرا، حيث قال في تصريح خاص للمتوسط، إن البلدية استلمت الدعم المالي واللوجستي من الحكومة، ولكن أعداد النازحين في زيادة مستمرة نتيجة الاشتباكات، مضيفا أن النزوح لا يقتصر على أماكن القتال ولكن المواطنين يهربون أيضا من الاماكن التي تتساقط عليها القذائف والصواريخ، مقدما شكره وامتنانه لصندوق الزكاة والشركة القابضة ومصرف الجمهورية ورجال الأعمال.

هذا الامتنان لأهل الخير والمبادرات الفردية لم يفت عضو لجنة الأزمة في بلدية حي الأندلس، الذي كان قد أكد في وقت سابق أن حكومة الوفاق بمكاتبها ووزاراتها وإدارتها المختلفة لم تقدم أي معونات أو إمكانيات للنازحين، موضحا أن المعونات تقدم من أهل الخير في البلدية، إضافة إلى بعض السلع الأساسية المقدمة من منظمة الأغذية الدولية.

وأضاف أن اللجنة تقدم كافة الخدمات بدءا من الاحتياجات الغذائية وصولا إلى الخدمات الصحية، إضافة إلى توفير جرعات الأدوية اللازمة لمرضى الضغط والسكر وغيرها.

الوزير يعترف

نقص الإمكانيات لدى بعض البلديات رد عليه وزير المهجرين والنازحين قائلا، “ربما يحصل في فترة من الفترات نتيجة لزيادة عدد النازحين بشكل كبير جدا، ولكن نسعي مع كل شركائنا المحليين الدوليين للتغلب على هذا النقص في أقرب وقت وبصورة مستمرة”.

وهنا جاء دور الشركاء المحليين الدوليين الذين أكدوا حاجة مراكز الإيواء للكثير من الإمكانيات، فبدءا من المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة الذي تفقد مركزين لاستقبال النازحين وطالب بهدنة إنسانية عاجلة وزيادة الدعم المقدم للنازحين، مرورا بوزارة الصحة بحكومة الوفاق التي أكد المتحدث باسمها أمين هاشم أن المراكز الصحية تمر بأزمة كبيرة، خاصة في ظل تكدس العائلات في المدارس بما يصل نحو 300 عائلة في المدرسة الواحدة، بل أن بلدية تاجوراء يتكدس فيها نحو 10 آلاف نازح، الأمر الذي يضاعف الأعباء الصحية، وعدم القدرة على توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، مختتما تعليقه بأن الأوضاع في مراكز النازحين بالعاصمة طرابلس باتت صعبة، في ظل النقص الكبير للأدوية.

ووصولا أو أخيرا وليس آخرا القرار الصادم الذي أصدرته بلدية عين زارة بإجلاء جميع النازحين من المدارس دون أن توفر البدائل، هكذا كان وصف بعض المتضررين من القرار.

قصص ومأساة

إحدى النازحات في أحد مراكز الإيواء بعين زارة قالت أشكر كل من قدم المساعدة لنا، وكلهم شباب متطوعون، الحكومة والمسؤولين لم نرى منهم أي شيء ولم يتفقد حالنا أحد.

وأضافت “لم نرى أحدا من المسؤولين إلا عندما جاءوا يأمروننا بالخروج من المركز بالقوة، مدعين أن الأطفال أولى بالدراسة من أن يتم إيواءهم في المدرسة، واتهموهم بأنهم لسنا ليبيين”، وعقبت ” أنا مسؤولة عن 9 أفراد، بينهم طفل لم يبلغ 9 سنوات بعد ومريض بالسكري، أين أذهب بهم، منزلي وسيارتي دمروا بسبب الحرب”.

وتعلق طفلة نازحة باكية ” دخلوا مزرعتنا وبيتنا، وبيقنا 5 أيام تحت نيران القصف والضرب، ومن ثم تمكنا من الفرار فذهبنا إلى جارنا، ولكن بيته دمر أيضا بقذيفة، فوجدنا أنفسنا نازحين في إحدى المدارس”، وعقبت “لم أكن أتوقع أن يصل بنا الحال إلى أن ننام في مدرسة أبدا، أرجوكم أوقفوا الحرب ليعود كل الناس لمنازلهم”

ومن مركز آخر “جاري اليوم لم يعد نازحاً، بل مهجر من بيته بسبب انسحاب الجيش من منطقته وسيطرة قوات الحكومة عليها”، وهو اضطر إلى الهرب بعيداً من متناول أجهزة أمن الحكومة، تاركاً أسرته في مركز الإيواء.

كارثة عين زارة

صحيفة المتوسط حاولت التواصل مع بلدية عين زارة ولكن لم تجد إجابة من أحد المسؤولين فيها، لكن مدير مركز الرازي لإيواء النازحين سند الدين سليمان، قال في تصريحات خاصة للمتوسط، بلدية عين زارة أصدرت قرار بالإخلاء لجميع المراكز في نطاق البلدية، مضيفا “عللت البلدية قرارها بتوفير مكان أكثر ملائمة على حد قولها، بالإضافة لسهولة المراقبة والإشراف على العائلات، رغم أنه طوال الشهرين الماضيين لم نتلقى أي دعم لا من بلدية عين زارة، ولا من أي جهة أخرى تتبع الدولة”.

وتابع “هناك بعض من العائلات تواصلنا معهم ووفرنا لهم مسكن بديل، سواء داخل طرابلس أو خارجها وتحديداً في مدينة الزاوية، وبعض العائلات تواصلوا مع أقاربهم، والبعض الأخر توجه إلى بعض المراكز الأخرى خارج نطاق بلدية عين زارة.

التجمع الليبي الديمقراطي

التجمع الليبي الديمقراطي كعادته لم يكن بعيدا عن هموم الليبيين، فسارع بالتعاون مع وجمعية ليبيا الحرة الخيرية إلى افتتاح 3 مراكز إيواء للنازحين، اثنين منها في طرابلس، وآخر بجنزور، وفي هذا الصدد قال مسؤول العلاقات العامة والاتصال بالتجمع أنور كنتوره، أن المراكز الثلاث مجهزة بالأطقم الطبية والسلع الأساسية والملابس، كما أن فريق العمل في التجمع أعد برنامج يومي للنازحين يتضمن أنشطة تعليمية وتنشيطية وترفيهية للطلاب وأولياء الأمور، كما أن هناك اهتمام خاص بالدعم النفسي للأطفال النازحين.

وأضاف كنتوره في تصريحات خاصة لصحيفة المتوسط، أن عدد الأسر النازحة تجاوز الـ 62 أسرة، بما يعادل أكثر من 175 فرد، مؤكدا أن المراكز الثلاث لم تحصل على أي دعم من الحكومة أو من أي جهة إلا رئيس التجمع الليبي الديمقراطي السيد حسن طاطاناكي، مثنيا على جهوده واهتمامه بمتابعة أوضاع النازحين واحتياجاتهم بشكل دوري.

وأضاف أن حسن طاطاناكي لم يكتفي بهذا الدعم الذي يقدم للنازحين في المراكز الثلاث، بل أنه سيّر قافلة إغاثة للنازحين في مدينتي زليتن ومصراتة.

من جانب آخر عقدت الجهات المسؤولة في الدولة بدءا من المجلس الرئاسي وأعضائه وحكومته ووزاراته المختلفة اجتماعات عديدة تصب في النهاية على ضرورة الاهتمام بالنازحين وتوفير احتياجاتهم، ولكن أين نتائج هذه الاجتماعات وأين تنفيذ تلك التوصيات على أرض الواقع.. يسأل مراقبون.

الوسوم

أخبار ذات صلة