ليبياأخبار مميزةتقارير وملفات

إيطاليا وحكومة طرابلس.. بؤس الواقع وغياب الرجال

خاص المتوسط:

لعل أحد ملامح سياسية حكومة إيطاليا الشعبوية الجديدة، هو إعادة اكتشاف ليبيا مجددا، وتذكر أن هناك معاهدة صداقة كان قد فرضها معمر القذافي على روما عام 2008، كاعتذار وتعويض عن الحقبة الاستعمارية، من أجل الموافقة على المشاركة في مواجهة الهجرة غير الشرعية التي كانت تستهدف الشواطئ الإيطالية.

استحضار معاهدة القذافي

وكانت إيطاليا عند توقيع المعاهدة قد أقرت من خلال رئيس وزرائها السابق سيلفيو برلسكوني، بالأضرار والمسؤولية الأخلاقية التي لحقت بالشعب الليبي أثناء فترة الاستعمار، وقال برلسكوني إن المعاهدة اعتراف أخلاقي بالأضرار التي لحقت بليبيا من قبل إيطاليا خلال فترة الحكم الاستعماري”، مكررا “أسفه وأسف الشعب الإيطالي”.

تلك المعاهدة اعتبرتها الكثير من شعوب العالم بمثابة انتصار سياسي وقانوني وأخلاقي على القوى الاستعمارية السابقة؛ ومثلا يجب أن يحتذى للتعويض على فترة الاستعمار.

محاصرة النفوذ الفرنسي

استحضار المعاهدة، ووسط هذا الهجوم الدبلوماسي الإيطالي باتجاه ليبيا، هدفة حسب المراقبين محاصرة أي نفوذ فرنسي في ليبيا، سيما بعد أن تجاهلت باريس التنسيق مع روما في الملف الليبي، حتى باتت إيطاليا تشك في نوايا فرنسا، بأنها تعمل من أجل انتزاع ليبيا من دائرة نفوذها المفترضة، ومصالحها الجيو استراتيجية والاقتصادية باعتبارها حقا مكتسبا،  خاصة بعد أن نجح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في عقد مؤتمر باريس الدولي بمشاركة القوى السياسية الليبية المتنازعة ، وخرج الاجتماع بخارطة طريق للحل السياسي فيه تلعب فرنسا دور العراب.

وكان الموقف الأكثر تعبيرا عن حالة الغضب الإيطالي من اختطاف باريس ما تعتبره إيطاليا حقها في ليبيا كمستعمرة سابقة، وأيضا كيف تنظر إيطاليا إلى ليبيا في ظل هذا الفهم الاستعماري؟ هو موقف وزيرة الدفاع “الدونا إليزابيتا ترينتا” التي كانت قد وجهت تحذيراً للحكومة الفرنسية فيما يخص تدخلها في الشأن الليبي، مشيرة على أن إيطاليا هي الدولة القادرة على قيادة الدولة الليبية، مؤكدة أن القيادة بيد” إيطاليا” فيما يتعلق بالحالة الليبية.

الوزيرة الإيطالية ستؤدي زيارة رسمية إلى ليبيا خلال شهر يوليو الحالي. وستعقد المسؤولة الإيطالية سلسلة من الاجتماعات مع المسؤولين الليبيين بشأن القضايا المتعلقة بالأمن وبناء القدرات ومكافحة الاتجار بالبشر.

أولوية ملف ليبيا

وكانت طرابلس خلال الأيام القليلة الماضية قد استقبلت نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية الإيطالي مايتو سالفيني، فيما حل وزير الخارجية إينزو موافيرو ميلانيزى أمس السبت، بالعاصمة الليبية والتقى مسؤولين ليبيين

رفقة سفير إيطاليا لدى ليبيا “دجوزيبِّي بيروني” والوفد المصاحب لهما، وذلك في أول زيارة للوزير خارج إيطاليا بعد توليه هذا المنصب.

الوزير الإيطالي قال إن إيطاليا هي الشريك الاقتصادي الأول لليبيا، معرباً عن تطلعه لإعادة تفعيل الاستثمارات الليبية في إيطاليا والإسراع بعودة الشركات الإيطالية لاستئناف المشاريع الاقتصادية التي ستوفر فرص عمل كبيرة.

وزير الخارجية الإيطالي مثل نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية سالفيني قال: إن اختياره لليبيا كأول زيارة له خارج إيطاليا بعد استلامه لمنصبه هو دلالة على أن الملف الليبي يتصدر قائمة ملفات السياسة الخارجية لإيطاليا، مشيرا إلى أن تحديات ليبيا وإيطاليا مشتركة وأن مصالحهما متلاقية وأهمها التدفقات الكبيرة للهجرة غير الشرعية.

رسائل متعددة

لكن الوزير الإيطالي أرسل من طرابلس إلى المنطقة الشرقية (إقليم برقة) وإلى باريس، رسالة مفادها أن  حكومة بلاده ترفض التعامل مع المؤسسات الموازية وتدعم حكومة الوفاق، وأنها حريصة على وحدة المؤسسات الليبية، على وجه الخصوص المؤسسة الوطنية للنفط، مضيفا أن إيطاليا تتطلع إلى زيادة التعاون الاقتصادي مع ليبيا والتعجيل بإعادة تدوير عجلة الاقتصاد.

الوزير ميلانسيزي لم يكتفي بهذه الرسالة الشفوية، وإنما بادر إلى إظهار أولوية حضور إيطاليا في ليبيا وبشكل عملي، من خلال إعلان وزير الخارجية في حكومة المجلس الرئاسي محمد سيالة، ونظيره الايطالي انزو موافيري ميلانسيزي، الاتفاق على تفعيل معاهدة الصداقة والشراكة الليبية الإيطالية التي سبق أن أبرمها القذافي مع رئيس الوزراء الإيطالي آنذاك سلفيو بيرلسكوني في بنغازي عام 2008، وإحياء اللجان الفنية التي نصت عليها بنود المعاهدة.

إيطاليا وحكومة مدينة طرابلس

وكانت إيطاليا قد سبق لها أن ألغت المعاهدة من جانب واحد في مارس 2011، بذريعة ما سمتها روما آنذاك أعمال العنف التي ارتكبها النظام السابق عقب اندلاع الاحتجاجات في السابع عشر من فبراير 2011.

وأن وزارة الخارجية الإيطالية لم تعد تعتبر حكومة العقيد معمر القذافي شريكا لها، لكن السؤال الذي يمكن أن يوجه لوزير الخارجية الإيطالي..هو : إذا كانت حكومة الوفاق معترف بها دوليا، فهل تملك السلطة على كل الإقليم الليبي، شرقا وجنوبا وحتى داخل طرابلس، حتى تعيد روما معها الحياة لمعاهدة الصداقة؟ وهل حكومة الوفاق تمثل الكل الليبي حتى تعيد روما بالاتفاق معها معاهدة الصداقة؟ أليس هذا سلوكا إيطاليا انتهازيا؟

الوزير الإيطالي أعرب، عن رغبة بلاده في تطوير العلاقات الثنائية لتشمل مختلف أوجه التعاون السياسي والأمني والاقتصادي، وأن تكون إيطاليا جسراً للتواصل مع الاتحاد الأوروبي وأن يكون البحر المتوسط بحيرة سلام وتعاون.

يذكر أن معاهدة الصداقة الموقعة بين ليبيا وإيطاليا في 30 أغسطس 2008، تضمنت الموافقة على استثمارات إيطالية بحوالي خمسة مليارات دولار على مدى السنوات الـ25 المقبلة من تاريخ توقيعها تعويضًا عن الحقبة الاستعمارية، كما يتضمن اتفاقا على تعاون بين طرابلس وروما في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية.

كيف تفسر غياب لياقة الضيف؟

ويمكن القول هنا أن عقلية الاستحواذ على ليبيا في إطار المنافسة الإيطالية الفرنسية بدت واضحة في هذا الهجوم الدبلوماسي على ليبيا، خاصة في ظل هشاشة الوضع الليبي السياسي والأمني والاقتصادي، لكن بؤس هذا الواقع كشفته جملة من المؤشرات، والتي تجلت أحد مظاهرها في الغياب الوقح للياقة السياسية من قبل ممثلي روما أثناء استقبال الوزير محمد سيالة لوزير الخارجية الإيطالي، الذي تجاوز كل الأعراف الدولية والبروتوكول الدولي والمحلي، واعتبره الكثيرون بمثابة إساءة للشعب الليبي العريق.

وزاد من وقع الإساءة تكرار هذا التعدي خلال الاستقبال، حيث قام وزير خارجية إيطاليا بالدخول أولاً قبل صاحب الأرض وكأنه يقول، هذا بيتي عدت إليه، وأنتم ضيوف عندي.

وتستمر حالة الفوقية وتخيل ما يعتبره حقه كوصي، عندما قام وزير خارجية إيطاليا بالجلوس على رأس المجلس وبجواره سفير إيطاليا، داخل ديوان رئاسة الوزراء، وعلى جانبي الاجتماع نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، أحمد معيتيق، ووزير خارجية الوفاق محمد الطاهر سيالة.

بؤس الواقع

وضمن هذه “الفنتازيا السياسية” يمكن لوزيرة الدفاع الإيطالية على ضوء هذا الواقع، وفي ظل إعادة العمل بمعاهدة الصداقة التي سبق أن أبرمها القذافي مع إيطاليا منذ عقد من الزمان، أن تتبجح أمام نظيرتها الفرنسية بأن حق إيطاليا القيادي في ليبيا هو أمر واقع والمشاهد في طرابلس تقول ذلك، ويبدو أن هذا هو ما جعل وزير الخارجية الإيطالي انزو موافيري ميلانسيزي، يؤكد على حق إيطاليا أن تكون جسراً (حصريا) للتواصل بين ليبيا والاتحاد الأوروبي.

ليبيا والرجال الرجال

ويبدو أن المشكلة التي تعاني من ليبيا، هو في عدم وجود رجال ينتصر بهم الوطن وينتصرون به، لا أن يكونوا عبئا عليه، بحيث يعجزون عن استثمار نقاط القوة لدى وطنهم؛ وهي كثيرة جدا.

الممارسات الإيطالية الأخيرة، تشير إلى هذا الضعف الليبي، سواء من خلال أحاديث وزيرة الدفاع الإيطالية المستفزة، أو غياب اللياقة من بعض المسؤولين الإيطاليين أثناء استقبالهم في طرابلس، وكان حري بالمسؤولين الليبيين أن يضعوا حدا لكل من يتطاول على وطنهم باي شكل من الأشكال؛ وأيا كان، بدلا من سياسية الاستخذاء والضعف.

وليتذكر المسؤولون الليبيون كيف انحنى رئيس الوزراء الإيطالي سلفيو بيرلسكوني في 3 أبريل 2010 لتقبيل يد معمر القذافي لدى وصوله إلى القمة العربية.

أخبار ذات صلة