أخبار مميزةتقارير وملفات

زيارات السفارات الأجنبية للبلديات.. مسمار «العمل الخيري» في جسد الأمن الليبي   

المتوسط – أحمد جمال

تثير زيارات ممثلي سفارات الدول الأجنبية المعتمدة في ليبيا لبعض البلديات الكثير من التحفظات، وحتى علامات الاستفهام، جراء هذا التوجه المحموم من قبل ممثلي تلك السفارات للبلديات المختلفة؛ وبلديات بعينها في تجاوز متعمد لاتفاقية فيينا.

ليست جمعيات خيرية

المشكلة أنه في ظل الوضع الهش الذي تعيشه ليبيا، يصبح من السذاجة بمكان التعويل على الخطاب الذي يتحدث عن الأبعاد الإنسانية والخدمية لتلك الزيارات، حيث لا يمكن تصور قيام تلك السفارات بأي تحرك، ما لم يصب في خدمة مصالح تلك الدول، فتلك السفارات ليست جمعيات خيرية، لأن وجودها في الأساس مُسخر لخدمة بلادها وبكل الوسائل؛ حتى الملتوية منها. في ظل غياب رقابة الدولة التي توجد بها السفارة ، ناهيك عن مخاطر اعتبار بعض البلديات أنها “ند” للسلطة المركزية التي تتبع لها نظريا.

 

مخاطر هشاشة الأوضاع

ولأن الوضع الليبي يعاني من الانقسام وغياب المؤسسات الجامعة، التي  تحمي أمن ليبيا، فإن مخاطر الاختراق الأمني والتجنيد، يبقى واردا وبقوة؛ وهو من طبيعة عمل تلك السفارات، التي ضمن هذا المناخ السائد في ليبيا، قد تعمل على تشكيل لوبيات محلية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر لخدمة مصالح تلك الدول.

ندية البلدية للسلطة الرسمية

ولعل أحد أبرز الملاحظات هو تركيز تلك السفارات على بلديات معينة، وهي بذلك تعتمدها كمراكز قرار؛ مواز للسلطة الرسمية، بكل ما يشكله ذلك من إضعاف لدور السلطة المركزية الرسمية في تلك المنطقة (غرب ليبيا)، خاصة بعد كل تلك الزيارات إلى بلدية مصراتة، حتى ظن البعض أنها مركز سياسي وعسكري مقرر مواز للعاصمة.

المشكلة أن الاستماع لخطاب ممثلي تلك السفارات يستحضر مفهوم الوصاية بكل تجلياته، وهو ما نقرأه في تصريحات القائمة بأعمال السفارة الأمريكية لدى ليبيا ستيفاني وليامز أثناء زيارتها لبلدية مصراتة.

 

بلديات تتجاوز القانون

وفي تجاوز آخر لدور السفارات الأجنبية لمهامها، وعدم وضع حد من جانب آخر من قبل المسؤولين الليبيين لسلوك بعض مسؤولي البلديات؛ رغم أن القانون ينظم ذلك، عكسه لقاء عميد بلدية زوارة، حافظ جمعة بن ساسي، مع السفير الإيطالي لدى ليبيا، جوزيبي بيروني، بمقر السفارة الإيطالية بالعاصمة طرابلس.

اللقاء تناول بحث العلاقات الثنائية وآليات التعاون بين السفارة الإيطالية والبلدية، وكذلك مجالات التعاون مثل مجال الصحة والمجال الأمني وتوفير الإمكانيات اللازمة لتشغيل بعض المرافق داخل نطاق البلدية.

لكن اللافت في لقاء عميد بلدية زوارة بالسفير الإيطالي، هو الحديث عن التعاون في المجال الأمني، ليكون السؤال ما علاقة البلدية ذات المهام المحددة في نطاق الخدمة البلدية بالمسألة الأمنية؟، ثم أين الجهات الأمنية التابعة لحكومة الوفاق والذي من المفترض أن المسألة الأمنية في البلديات هي اختصاص أصيل لها؟. وإلى متى يستمر تجاوز مسؤولي البلديات لاختصاصاتهم؟ وأيضا وضع حد لتجاوز السفارات لدورها في بلد الاعتماد.

 

دولة الجنوب

مثال آخر على هذا التجاوز المتبادل، هو اللقاء الذي كان قد جرى في وقت سابق وجمع نائبة السفير الأميركي في ليبيا ناتالي بيكر، مع عميد بلدية سبها حامد الخيالي في تونس.

اللقاء ناقش آفاق الشراكة بين الولايات المتحدة والمجلس البلدي وأهالي سبها من أجل تجاوز التحديات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة في جنوب ليبيا، السؤال ما هي الشراكة بين بلدية سبها والولايات المتحدة؟ وكأن بلدية سبها دولة قائمة بذاتها.

في حين أن القانون يفرض على عمداء البلديات الالتزام باختصاصاتهم الواردة في قانون الإدارة المحلية رقم 59 لسنة 2012 ولائحته التنفيذية، ذلك أنه ليس من اختصاص البلديات بحث الشأن السياسي مع السفارات الأجنبية أو غيرها.

 

ويستمر التجاهل للقانون

ومع ذلك تم تجاهل هذا النص القانوني الذي يحدد اختصاص البلديات عند زيارة السفيرة الفرنسية بريجيت كرومي والوفد المرافق لبلدية بنغازي، الأسبوع الماضي.

حيث صرح مسؤول الإعلام بالبلدية أن السفيرة الفرنسية اعتبرت زيارتها لمدينة بنغازي «فرصة جيدة للتناقش والتحاور للخروج بنتائج إيجابية والعمل سويًا من أجل متابعة وتوسيع قاعدة الوفاق في إطار (إعلان باريس) الذي يرتكز على بعض النقاط الرئيسية متمثلة في وحدة التراب الليبي وتوحيد مؤسسات الدولة والانتهاء من المرحلة الانتقالية بأسرع وقت ممكن، والالتزام بمواعيد إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تحت رعاية الأمم المتحدة».

 

خرق اتفاقية فيينا

هذه الفوضى من قبل تلك السفارات من جانب، وتجاهل البلديات للضوابط التي تنظم عملها مع البعثات الدبلوماسية الأجنبية من جانب آخر، كانت محل انتقاد من قبل المنظمة الليبية لحقوق الإنسان، حيث لاحظت أن هذه الزيارات تتم دون مراعاة للاتفاقيات والأعراف الدولية، وحدود التمثيل الدبلوماسي المعتاد لدى جميع دول العالم، وفقا لما حددته اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، وخاصة في موادها (4 – 13 – 25 -41 -47)، وكل المواثيق والقوانين واللوائح الصادرة بالخصوص، وكذلك دون اعتبارات لسيادة الدولة وأمنها الوطني.

 

حذار من الاختراق

هذه الزيارات المتكررة لممثلي السفارات الأجنبية للبلديات، لا يمكن التعامل معها بحسن نية، فتلك السفارات تخدم مصالح بلادها قبل كل شيء، وإنه لمن المهم في ظل حالة السيولة السياسية والأمنية والوضع الاقتصادي المتردي، الحذر من حالات الاختراق الأمني، وتكوين مراكز ضغط ومصادر معلومات لصالح تلك السفارات، مقدمة لإلزام هذه السفارات باتفاقية فيينا واحترام سيادة ليبيا فعلا وليس قولا فقط.

الوسوم

أخبار ذات صلة