رأي

تعصب “الأميبا”

جمال الزائدى يكتب:

غالبا ماتصنف المشاعر الوطنية تصنيفا إيجابيا وفق المنظومة القيمية للمجتمعات المعاصرة..ذلك أنها تعبر عن إنتماء المرء وإعتزازه بهويته وثقافته وولائه للتراب والجماعة التي يشاركها الاحلام والطموحات والمصير ..لكن حين تتجاوز هذه المشاعر حدودها الطبيعية المعقولة و المقبولة تتحول إلى ” شوفينيه ” مقيتة، وتعصب مريض لاعلاقة له بقضية التعبير عن الارتباط بالوطن ، بل بالتعبير عن خلل مفهومي ووجداني يشوه الإدراك والوعي ، ويعكس ضحالة مبرهنة في مستوى الثقافة والفكر.. أن تكون ليبيا معتدا بليبيتك أو موريتانيا فخورا بعراقة محتدك ، لايعطيك الحق مطلقا في إحتقار أية جنسية أخرى ، ولايبيح لك إطلاق العنان لمشاعر التميز والتعالي على خلق الله لمجرد أنهم لايحملون جنسيتك المقدسة المسجلة في جواز سفرك أو بطاقة هويتك.. إن مدونات التاريخ تمتليء صفحاتها بالقصص والحكايات البشعة عن هؤلاء المرضى الذين برروا المجازر وارتكبوها باسم الوطنية والوطن ونقاء العرق وتفوق جنس ما على بقية الاجناس ، إلى آخر قائمة المصطلحات والمفاهيم المختلة الدالة جميعها على مرض التعصب – ماتعرض له الفلسطينيون في الاراضي المحتلة مثالا يمكن الاستشهاد به ، ومايتعرض له سكان مدينة تاورغاء الليبية الآن ، مثالا ايضا لايقل بلاغة وبشاعة مع فارق القياس حيث في الحالة الاولى العنصرية تمارسها أمة ضد أمة أخرى أجنبية ، بينما في الحالة الثانية تمارسها جماعة ضد جماعة أخرى تنتمي لذات الهوية الوطنية الإفتراضية – من الناحية الاخلاقية والانسانية ، مشاعر التعصب مدانة ومرفوضة في كل المجتمعات المتحضرة والمتمدنة التي تحترم التنوع وتستوعب ضرورات الاختلاف وتوظفه ايجابيا في اتجاه تنويع مصادر القوة الاجتماعية والثقافية ، ففي هذه المجتمعات المؤسسة على مبدأ المواطنة لن تشهد تصنيفات من قبيل .. هذا عربي وهذا امازيغي ..هذا سني وهذا شيعي ..هذا أبيض وهذا أسود الى اخر ثنائيات التمييز بين ابناء الشعب الواحد.. الأكثر سوءا من هذا أن يتورط مجتمع بأسره في وهم الاعتقاد بالتفوق والاكتفاء والتميز ، فتسيطر هذه الفكرة على عقول الناس وتضع على العيون عصابة سوداء تعطل البصر والبصيرة عن رؤية العيوب والاخطاء ومكامن الضعف والهشاشة وتقفل الافهام عن إدراك الحاجة للإستفادة من تجارب ومعارف الآخرين لتعويض ما ينقص وما يغيب.. فإذا كنت – على سبيل المثال – مهندس كومبيوتر استراليا ، مسكونا بقناعة غيبية راسخة بأن الاستراليين قد وصلوا إلى ذروة سنام المعرفة في عالم الاتصالات وتكنولوجيا الحواسيب ..فإنك بالتأكيد لن تستوعب أن اليابانيين وهم أكثر من مجرد جنس أصفر يتميز بضيق الحدقات وإرتخاء الجفون ، قد وصلوا قبلك بسنوات إلى ذروة السنام وتجاوزوها إلى ذرى أخرى قد لاتراها حتى بعين خيالك .. وإذا كنت راعي ماشية في مروج وسفوح برقة الليبية ” مثلا ” وتظن ظن المؤمن الموقن بأن تربية الماشية تراث خاص بعرب برقة لاينافسهم فيه أحد ، فإنك بالتأكيد لن تعرف أبدا أن مربي المواشي في أسبانيا قد استحدثوا طرقا متطورة وجديدة لتحسين مستويات إنتاج مشاريع تربية الماشية وتفننوا وأطنبوا في التجويد حتى كادت مواشيهم تكون غير الماشية التي نعرفها.. الخلاصة ، إن “الأميبا” وهي شكل الحياة في مستواها الأدنى ، وحدها القادرة على الاكتفاء بذاتها ، وهي لذلك غير مؤهلة للتطور والارتقاء ..أما الشعوب والجماعات الطبيعية سواء كانت قبائل أو أعراق أو طوائف ، والتي تعتقد أن الله خلق الكون كديكور تكميلي لتأكيد تفوقها الخارق وخلق بقية الشعوب والقبائل والاعراق لتمارس عليها ” شوفينيتها” وأحساسها المريض بالتعالي والتميز ..فهي أكثر مكونات الجنس البشري عرضة للتلاشي والفناء ، لأنها ببساطة تحيا خارج حتمية التاريخ وتجدف ضد قوانين الوجود والطبيعة والحضارة ..بل أنها تناقض تعاليم الوحي الإلهي التي تصب جميعها في اتجاه ترسيخ حقيقة أن الجنس البشري ينحدر من أصل واحد وأنه من آدم وآدم من تراب .

الوسوم

أخبار ذات صلة