رأي

قسوة الحلول .. انقشاع الوهم

بقلم: جمال الزائدي

الدولة – بمفهومها الحديث – تعد ، في بلادنا كما في بلاد إفريقية وشرق اوسطية كثيرة ، منتجا مستوردا غريبا عن السياق التاريخي الحضاري والثقافي الذي تعيشه المجتمعات المحلية..تسربت إليها ضمن ماتسرب من منتجات غربية , تنوعت بين المادي والرمزي ..

الدولة القائمة فكرتها – كما تذكر الادبيات السياسية المدرسية – على عنصر الاقليم والسلطة والشعب , مرتبطة اساسا بالمجتمع المتمدن ذي النمط الانتاجي الرأسمالي , والمحكوم بمنظومة قيمية وفكرية  متحررة من سطوة المقدس الغيبي والاجتماعي..

ووفق هذا الارتباط.. يتجاوز مصطلح “الشعب” مجموع الافراد “الطبيعيين” الذين يتواجدون بالصدفة التاريخية فوق رقعة جغرافية واحدة ويدينون بالولاء العاطفي والفعلي  , لحواضنهم الاجتماعية ( عرق – قبيلة – مذهب – طائفة …الخ ) إلى مجموع الافراد “المواطنين” الذين لايدينون بأي ولاء سوى للدولة وفق عهدة تأسيسية مبرمة بين الطرفين يدعوها “توماس هوبز” و”جان جاك روسو” .. العقد الاجتماعي..

التباين الجذري بين مفهوم الدولة الحديثة كمنظومة سياسية واقتصادية واجتماعية , وبين الحالة العذرية لبنيتنا الاجتماعية  المفتقرة لأبسط شروط الهوية الوطنية الجامعة ..لم يقف عائقا امام أنظمة الحكم التي ظهرت بعد مرحلة الاستعمار الغربي . في محاولتها استعارة شكل الدولة المعاصرة وفرضها على مجتمعاتها , تناغما مع إرادة غربية رأسمالية  رأت في قيام دول هجينة في مستعمراتها السابقة , خدمة لمصالحها الاقتصادية والثقافية عن طريق تحويل تلك الشعوب إلى اسواق إستهلاكية عملاقة ” سوبر ماركت ” لتصريف السلع والقيم , ومخازن مفتوحة للطاقة والمواد الخام وحتى اليد العاملة الرخيصة ..

ولم ينج من هذا التناقض القاتل بين بنية المجتمع الطبيعي وشكل الدولة الحديثة غير التجمعات البشرية في الخليج والتي نجح شيوخها في تطويع المستعار من ملامح الدولة الشكلانية في خدمة النظام القبلي البطرياركي , حتى صارت الدولة في الخليج عبارة عن قبيلة متورمة بفعل الوفرة المالية التي يؤمنها تدفق النفط والغاز، يحكمها شيخ القبيلة نفسه الذي كان يفصل في المنازعات حول مراعي الماشية قبل إندلاع ثورة الزيت الاسود..

هذا الاغتراب او الالتباس نفسه يمكن الاستعانة به  لتفسير وتأصيل أسباب اللحظة الكارثية الراهنة في المشهد الليبي الذي طغى على السطح بعد الانهيار المأساوي للنظام السابق ولأدوات الدولة التي كانت تحفظ الوئام الاجتماعي بفضل القوة المحتكرة وتوزيع الإمتيازات ..

سقط الثوب الحريري الفضفاض لينكشف جسد وحش فرانكشتاين  الذي ابدعه خيال الكاتبة الروائية ” ماري شيلي “..ولتظهر بشاعة الترقيعات وضعف المادة المستخدمة في نظم الاطراف المتنافرة وشدها بعضها إلى بعض..

ماعرته المحنة وتداعياتها المريرة , ان الكيان المتخيل – وهو الشعب الليبي –  الذي استعملته الجوقة الاعلامية من المحليين والدوليين في رفع شعارات الثورة والتغيير نحو دولة القانون والديمقراطية لم يكن شعبا يتكون من مواطنين – وهذه للإسف إحدى إخفاقات المشروع الوطني الذي تبلورت ذروته في عام 69 –  بل أبناء قبائل عريقة ضاربة الجذور في تربة  متصحرة  لاتنبت سوى مايليق بتراث معتق من الحمية والعصبية المعادية بحكم طبيعتها لأي نوع من أنواع التنظيم غير المنسجم مع تكوينها  كما يشير عبد الرحمن بن محمد  في مقدمته الشهيرة..

فبغض النظر عن شراسة وفداحة التدخل الدولي الذي أفضى في النهاية إلى إجتثات المؤسسة الامنية والعسكرية..وبغض النظر كذلك عن النتائج المحبطة  للانتخابات الهشة التي أجريت على عجل تحت ضغط المطالبات الغربية ودون أن يتوفر الحد الادنى من شروط شرعيتها وديموتها , لتفضى في ختام عرسها البهيج  إلى إنشطار مؤلم في النسيج الاجتماعي المصطنع ما أدى بدوره إلى تكريس سلطة المليشيات القبلية والجهوية والايديولوجية التي تخلقت في ظل التصدعات الافقية التي أحدثها زلزال 17 فبراير , ولتتفاعل فيما بعد وطوال السنوات  الماضية وفق أنساقها التاريخية المعروفة وتعيد صياغة التحالفات القديمة

فإن طبيعة الصراع (البدائي القبلي / غير السياسي وغير المتمدن) هي الغالبة في كامل جغرافية البلاد من شرقها الى غربها الى جنوبها , حتى وإن كانت الشعارات المستخدمة تتلون باصباغ سياسية وايديولوجية شديدة البريق

هذه الخارطة المحلية المشوشة بفعل المعطيات الداخلية المذكورة والتدخلات الخارجية المنظورة, والعجز الصارخ الذي تعانيه المكونات السياسية والايديولوجية الطارئة في المشهد الليبي من إيجاد المخارج والحلول لحالة التدهور المريع الذي تعيشه البلاد  .. افسحت المجال الواسع أمام الاجتهادات الدولية التي يقودها مبعوثو المنظمة الاممية والتي لاتبدو أهدافها واغراضها واضحة الا على مستوى التحليل والاستنتاج الذي يمكن ان يقودنا ببساطة الى القول ان ثمة نوايا شديدة الوضوح لدى القوى الغربية المؤثرة لإطالة أمد الصراع القائم حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا , أو أمرا كان مخططا له ومركونا إلى حين في ادراج المؤسسات واجهزة المخابرات لإعادة صياغة الخارطة الجيوسياسية للمنطقة برمتها..

إن المعالجات السابقة والقائمة حاليا والتي تجري عبر آليات لا أساس شرعي ولاقانوني ولا اخلاقي لها , من برلمان منتهي الصلاحية ومجلس رئاسي توافقي افرزته مفاوضات مبتسرة ومحدودة بين اطراف لا يمثلون سوى مصالح خاصة لبعض الفصائل المتناثرة في جغرافية قبلية شاسعة..أثبتت فشلها ليس فقط بسبب فقرها المدقع للمنطق السياسي والوطني , ولكن اولا واخيرا لتجاهلها الحقيقة الاجتماعية والثقافية للشعب الليبي وللسياق التاريخي للحظة الحرجة التي يعيشها ..

لقد خرج من خرج على النظام والدولة قي 2011 بإسم قبائل ومدن قبلية ( زنتان ، مصراتة ، عبيدات ، براعصة …..إلخ ) , ولن يعود هؤلاء إلى التعايش السلمي تحت ظلال سلطة مركزية إلا بوصفهم كذلك أي كقبائل ومدن متقبلنة .. وإذا لم نتوصل  لاستجماع ما تبقي من قوة اجتماعية قبلية و إسترجاع زمام المبادرة من خلال اطلاق مؤتمر عام يجمع كل المكونات المجتمعية وفق ديمقراطية “اللوياجيرغا.

لقد خرج من خرج على النظام والدولة قي 2011 بإسم قبائل ومدن قبلية ( زنتان ، مصراتة ، عبيدات ، براعصة …..إلخ ) , ولن يعود هؤلاء إلى التعايش السلمي تحت ظلال سلطة مركزية إلا بوصفهم كذلك أي كقبائل ومدن متقبلنة .. وإذا لم نتوصل لاستجماع ما تبقي من قوة اجتماعية قبلية و إسترجاع زمام المبادرة من خلال اطلاق مؤتمر عام يجمع كل المكونات المجتمعية وفق ديمقراطية “اللوياجيرغا

الوسوم

أخبار ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق