أخبار مميزةتقارير وملفات

حكايات سجينات داعش.. «لقمة العيش» تُوقع بـ«إيمان المصرية» في شباك الإرهاب بسرت

خاص المتوسط:

سيدة مصرية خرجت إلى الحياة وترسل زوجها من مصر إلى ليبيا، وعندما كان الزوج يبحث عن عمل ليعيل أسرته، انتهجا طريقا خاطئا عندما انضم زوجها طواعية إلى تنظيم داعش في مدينة سرت.

تكشف «المتوسط» حكاية إحدى السجينات لدى سجن الكلية الجوية في مدينة مصراتة، الذي يضم العديد من النسوة المنتسبات لتنظيم داعش الإرهابي، ومن مصادرها الأمنية الخاصة بالسجن تنشر تفاصيل حكاية “إيمان المصرية” وإلتحاقها بتنظيم داعش.

بدايات إيمان في المنيا

“إيمان سعيد الجازوي” مواليد محافظة المنيا في مصر 1989، ومن أب ليبي يعيش في مصر وأم مصرية وتدعى “عائشه إسماعيل”.

درست “إيمان” المرحلتين الإبتدائية والإعدادية في مدرسة “السلم” في منطقة “طواخ الخيل” بمحافظة المنيا، لكنها لم تكمل دراستها الإعدادية بسبب مرض “الصرع” وظلت حينها في منزل العائلة مع أشقائها السبعة (زينب وزهراء وفاطمة ومحمد وأحمد ومصطفى ومبارك).

خلال العام 2010 وكان عمر “إيمان” يبلغ العشرين عاما، تقدم إليها شاب وهو أحد أقارب والدتها ويدعى “خليل سالم” لطلب الزواج منها، وواقفت وتزوجته خلال العام 2010، وعاشت معه في منزل أهلها سنة، وأنجبت منه أول أبنائها “حمزة” لكن بحكم عمل الزوج “خليل” في ليبيا لم يظل مع الزوجة في مصر كثيرا، وتحديدا في قسم الخدمات والنظافة في مطار طرابلس الدولي وبحكم أن يحمل الجنسيتين الليبية والمصرية.

الزوج يبحث عن عمل

بعد اندلاع أحداث ثورة فبراير 2011 كانت الزوجة “إيمان” تتواصل مع زوجها “خليل” بشكل مستمر للإطمئنان عليه وعلى أحواله وبشكل دائم، وفي شهر ديسمبر 2011 اشترت الزوجة تذكرة سفر إلى ليبيا وسافرت ويرافقها ابنها “حمزة” ووصلت إلى طرابلس وكان زوجها في انتظارها وتوجها إلى منزل له في منطقة “قصر بن غشير” في ضاحية طرابلس وبقيا شهرا ونصف الشهر، وتحديدا إلى شهر فبراير 2012، وحينها ترك الزوج عملة فى المطار بسبب استلام شركة جديدة للنظافة بمطار طرابلس، وبدأ البحث عن عمل آخر دون جدوى وقررا السفر إلى مدينة بنغازي.

سافرت الزوجة “إيمان” مع زوجها إلى ابن عمه ويدعى “يوسف” في مدينة بنغازي، حيث وجد له عملا في محل لبيع المواد الغذائية والخضروات لكنه لم يستمر في العمل إلا شهرا واحدا، وقد كان راتبه 300 د.ل الذي يحصل عليه والذي لا يكفي الحد الأدنى من احتياجاتهم وإيجار الشقة في منطقة “القوارشة” ببنغازي يكلفهم 600 د.ل.

 بحثا عن لقمة العيش!

ظل الزوج يبحث عن عمل جديد وحينها اتصل به صديقه من طرابلس أخبره أن هناك شركة تحصلت على عقد عمل في جامعة سرت وتحتاج موظفين، وعلى الفور انتقل الزوج و”إيمان” إلى مدينة سرت عن طريق البر في شهر نوفمبر 2012، وعند وصولهما إلى سرت أقاما في منطقة الجيزة العسكرية بالقرب من المزارع واستأجرا منزلا بقيمة 500 د.ل شهريا وبقيا فيه لمدة طويلة، وأصبح الزوج يتحصل على راتب يقدر 1500 د.ل شهريا أي ما يعادل “140 دولار” وهو مدير لقسم الخدمات والنظافة بالجامعة.

التعرف على أنصار الشريعة

تحسنت أوضاعهم كثيرا واستمر الزوج في العمل لمدة ثلاثة سنوات أي منذ ديسبمر 2012 إلى يناير 2015 وأنجبت الزوجة خلال هذه الفترة طفلهم الثاني “حذيفة” ثم انتقلا بعدها إلى شقة أخري بالقرب من “عمارات قاعة واكادوكو” ونظرا لقربها من مسجد “عثمان بن عفان” الذي كان الزوج “خليل” يتردد عليه كثيرا، وحينها تعرف على القائمين على المسجد من بينهم “حمد الزواوي ووليد الفرجاني وحسن علي الصفراني” وهؤلاء أبرز القادة لدي تنظيم أنصار الشريعة قبل التحاقهم بتنظيم داعش ،حيث شرعوا هؤلاء بغرس الأفكار المتشددة في عقل الزوج ” خليل ” خلال تردده علي المسجد.

وترك الزوج العمل في الجامعة وعندما سألته الزوجة “إيمان” لماذا؟ قال إن أصدقاءه حرموا عليه العمل في جامعة سرت، لأن من فيها “طواغيت” وهم سيتكفلون بمصاريف بيتنا، وانضم زوجها حينها إلى تنظيم أنصار الشريعة في سرت عبر أصدقائه خلال العام 2015.

رحلة التشدد.. محاربة الطواغيت!

الزوج والزوجة وإبنيهما “حمزة وحذيفة” بقيا على هذا الحال لفترة وكان الزوج “خليل” يذهب إلى المسجد ويلقي بالمدعو “وليد الفرجاني” وآخرون من مدينة بنغازي المحاضرات في المسجد وكانت الزوجة “إيمان” تتابع محاضراتهم وتتعلم القرآن لأن منزلهما يطل على المسجد مباشرة، وذات مرة شاهدت الزوجة من شرفة شقتها مجموعة من الشباب ملثمين يدخلون أسلحة وذخائر إلى المسجد، وبعد فترة أوقفوا دروس النساء وبقي الأطفال ممن هم دون سن ثمان سنوات.

كان تنظيم أنصار الشريعة يسيطر على سرت مع كتيبة عسكرية “شهداء الزاوية” تتبع قوات الصاعقة بأمرة العقيد “صلاح بوحليقة” وكل منهما له أماكن سيطرة وتواجده بالمدينه وبالرغم أن أنصار الشريعه ترى في كتيبة “شهداء الزاوية” أنهم مرتدون وطواغيت ولكن لا تتجرأ علي مواجهتها بحكم قوتها العسكرية.

وبعد إخراج كتيبة “شهداء الزاوية” من مدينة سرت بدأت الاشتباكات بين أنصار الشريعة والكتيبة 166 العسكرية، وعندما سألت الزوجة “إيمان” زوجها قال “إنهم يريدون إخراج هؤلاء الطواغيت من سرت”.

وبعد إنتهاء الاشتباكات مع الكتيبة 166 وسيطرة أنصار الشريعة على مداخل سرت ووسطها، أعلن قادة أنصار الشريعة عن تنظيم داعش وشرعوا في تصفية خصومهم بالمدينة الشيخ “بن رجب” الذي كان يحرض الناس على تنظيم داعش وشيخ آخر يدعى “سعيد” قطع الزوج “خليل” رأسه أمام المواطنين في ساحة سرت، وكانت قادة داعش تركب سيارات فارهة وفخمة، ويتحركون بحراسة ويسكنون في مساكن فخمة وكانوا يقولون للمواطنين في سرت “إن من يعمل لصالح الدولة الليبية طاغوت، وإن عوام المواطنين مرتدون ويجب استتابتهم، وإن ومن يتعاون مع القوات الحكومية خائن مرتد”.

خلال شهر أبريل 2016 جاءت إلى سرت مجموعات من درنة عبر الصحراء وبدأ تخزين السلاح في المساجد استعدادا للحرب وازداد عدد الوافدين “المهاجرين” إلى سرت وشكلت دواوين يقودها قادة التنظيم واختار ديوان الشرطة الزوج “خليل” للعمل في الديوان، وكانت رواتب من يعمل في تنظيم داعش الزوج 200 دينارا وللزوجة 200 دينار ولكل طفل 70 دينارا وكان يرأس تنظيم داعش في سرت “أبو عامر الجزراوي” سعودي الجنسية، وفيما كان المدعو “أبو حمزة المصري” آمر ديوان الشرطة وكان زوجها يعمل معه ويحدثها عنه كثيرا.

لا منفذ من داعش

استمر الزوج “خليل” في عمله في ديوان الشرطة التابع لتنظيم داعش، وذات مرة وفي بداية شهر مارس 2015 تحدثت الزوجة “إيمان” أن حضر إليهم ذات يوم في شقتهم في عمارة “ابن سينا” التي انتقلا لها في يناير ،2015 المدعو “أبو الفرقان” أحد العاملين بديوان الشرطة، وقال: عليهم مداهمة شخص مسلح في “حي رقم 2” وعلي حدود الساعة الواحدة ليلا لم يرجع زوجها في تلك الليلة في الصباح، جاءها “أبو الفرقان” وأبلغها بوفاة زوجها “خليل سالم” في شهر مارس 2015 نتيجة الاشتباكات مع أحد المسلحين، وذهبت “إيمان” إلى المستشفى لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، ومنذ ذلك الوقت بدأ تنظيم داعش يمنح الزوجة وطفليها نصف المرتب 100 د.ل لها ولإطفالها الثلاث لكل منهما 35 د.ل بسبب نقص السيولة، وكانت وقتها حاملا في الشهر التاسع وبعد عشرة أيام أنجبت ابنتها “خولة”.

وخلال شهر أبريل 2015 جائها شقيقها “محمد” الذي كان يعمل في طرابلس ومكث معها ما يقارب الشهر وحاول إخراجها من مدينة سرت، لكن آمر ديوان الشرطة “أبو حمزة المصري” منعه واصطدم مع شقيقها “محمد”، وقال له “لن تأخذها من سرت وهي وصيتي أوصاني بها زوجها المتوفى”، ليرضخ شقيقها ثم يخرج من سرت بسبب مضايقة عناصر داعش لأنه لم يبايع التنظيم.

وكانت دورات شرعية مستمرة تقام لجند داعش وكانوا يلقنوننهم فيها كتاب “الأصول” وبعد انتهاء عدت الزوجة “إيمان” حضرت إليها نساء بينهن “أم عائشة التونسية” تطلبها للزواج من “أبي حمزة المصري” وكانت “إيمان” ترفض لأنها كانت ترغب في الخروج من مدينة سرت، بينما سياسة داعش تنص على أنه إذا مات زوج إحدى النساء يتزوجها على الفور آخر من عناصر داعش لأنهم يخافون خروج أسرار التنظيم.

وبعد فترة تقدم لها شخص آخر يدعى “أبوغازي السوري” وفي ذات الوقت نقلها “أبو حمزة المصري” إلى بيت آخر في “الحي رقم 2” وبدأت الحرب مع قوات البنيان المرصوص وأخبرتها “أم عائشة التونسية” أن أبا حمزة المصري سينقلها إلى شقة في عمارات 600 ووجدت فيها “إيمان” قرابة 70 امرأة من مختلف الجنسيات العربيه والأفريقية.

زواج بالإكراه ومهر أقل من ربع دولار!

لم يترك “أبوحمزة المصري” “إيمان” وظل يبعث لها بين الحين والآخر “أم ضياء” وتدعى “رانيا حمدي أحمد الأسيوطي” مصرية الجنسية ومواليد محافظه السويس وهي شقيقة “شيماء” التي انفردت المتوسط بنشر تفاصيل حكايتها في 29 أبريل 2018، و”رانيا” أيضا هي زوجة “عبدالرحمن محمد” مواليد 1970 والمكنى “أبو عبدالله البيشي” وأمر الحسبة.

وذات يوم أخبر “أم ضياء” “إيمان” بأنها إذا لم تتزوج من “أبي حمزة المصري” فإنه سيأخذ أطفالك إلى مكان في حي رقم 1 يطلق عليه “أشبال الخلافة” ويوضع فيه الأطفال بعد انتزاعهم من أهلهم ولا يرجعون إلى أهلهم إلا حين المغرب، وتتم تربيتهم على الفكر الداعشي وطاعة البغدادي ومن هم فوق سن 14 سنة يدربونهم على حمل السلاح في المعسكرات ويدخلون بهم جبهات القتال.

حينها عجزت ورضخت “إيمان” لطلبات “أبي حمزة” ويدعى “حسين حنفي” ومن مواليد القاهرة 1989 وتزوجته في منتصف شهر أغسطس من العام 2016 ووقعت على ورقة في البيت مكتوب فيها المهر وقدره (دينار ليبي) أي ما يعادل أقل من ربع دولار.

ومن ثم نقلها “أبو حمزه المصري” إلى منزل في الجيزة البحرية بمدينة سرت ثم نقلها إلى مضافة النساء ولم تعد تراه إلا أحيانا وقام بمعاشرتها أياما لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.

كما حدث نقاش محتدم بين الزوجة “إيمان” وبين زوجها “أبوحمزة المصري” عندما أخبرته بنية الخروج من سرت، فرد عليها حرفيا “أقطعك تقطيع إذا حاولت” وذات يوم حاولت الهروب فعلا، فأمسك بها شخص من داعش ويدعى “علي الكرامي” وسبها وأرجعها إلى مضافة النساء، وهذا بحسب ما بينته الزوجة “إيمان”.

اشتد القتال مع قوات غرفه عمليات البنيان المرصوص واقتحم عناصر داعش محلات المواد الغذائية والملابس في سرت، فأخذوا منها ما يريدون لسد احتياجاتهم وانتقلت وقتها إلى سكن “أم أحمد السيناوي”.

وفي يوم 26 من شهر أكتوبر 2016 جائها أحد قياديي داعش ويدعي “فوزي العياط” المكنى “أبو أسلام” وأخبرها بوفاة زوجها “أبوحمزة المصري” برصاصة قناص وشاهدته وهو يدفن بملابسه في مضافة أو مزرعه “فوزي العياط”.

جحيم داعش.. محرقة السنغالي

كان هناك ممر تحت الأرض ارتفاعه متر تقريبا وطوله 20 مترا يخرجك من مضافة “فوزي العياط” إلى مضافة “أبو حاتم السنغالي” وهي مضافة خاصة بالأفارقة والتي باتت فيها “إيمان” لليلة واحدة.

وفي أواخر شهر نوفمبر 2016 أحرق “أبو حاتم السنغالي” المضافة وفيها عدد من النساء والأطفال ومن بينهن “إيمان” وأطفالها الثلاث وأثناء ذلك شاهدت “إيمان” بأم عينيها طفلا يحترق وكاد أن يحترق ابنها “حذيفة” أيضا بعدما شبت النيران في ملابسه ولكن أنقذته بسرعة وخرجت به وبقية إخوته مسرعين ورغم أنها كانت حاملا بطفل من “أبي حمزة المصري”.

لم تعرف الأم “إيمان” إلى أين تذهب وأخذت طريقا مع أمرأه أخرى تدعى “أم أسامة” وأصوات الرصاص تسمع في كل مكان حتى وصلا إلى عناصر من قوات البنيان المرصوص وتحديدا يوم الثالث من ديسمبر 2016.

الجدير بالذكر أن ” أبا حاتم السنغالي” هو أحد العناصر البارزة لدى تنظيم داعش وقيادي وشرعي وواعظ شرعي أيضا لدى التنظيم وعثر على جثته تحت ركام أحد المنازل في منطقة “الجيزة البحرية” في 14 ديسبمر 2016.

ووختمت الأم إيمان «أنا الآن ومع أطفالي بعدما انجبت طفلها الرابع “محمد” في السجن وفقدت زوجي وغبت عن أهلي بسبب داعش، لا أعرف كيف مرت كل هذه الأحداث ولكن ما أعرفه الآن هو ندمي، على الدخول إلى تنظيم إرهابي قتل الليبيين وعاقب حتى من انضم إليه ولعل محرقة “أبي حاتم السوداني” أبرز دليل على ذلك.

الوسوم

أخبار ذات صلة