رأي

المسار الدائري لتاريخ البسطاء

بقلم: جمال الزائدي:

هل كان من مصلحة (الليبي ) أن يموت الليبي ..؟
هل كان من مصلحة (الليبي ) أن تقصف المدن الليبية بصواريخ وقنابل حلف شمال الأطلسي ..؟
هل كان من مصلحة (الليبي ) تدمير البنية التحتية ، عسكرية ومدنية..؟
هل كان من مصلحة (الليبي ) أن يفنى جيش بلاده وتقتل كوادره وكفاءاته التي استهلكت من وقت وجهد ومال الوطن الكثير والكثير..؟
هل كان من مصلحة (الليبي ) أن يتيتم أطفال الليبيين وتثكل أمهاتهم وترمل نساؤهم..؟
وهل كان شرف إيمان العبيدي المزعوم .. بالنسبة (لليبي) ، أغلى وأثمن وأهم من شرف ليبيا الذي إستباحه حتى أنغال ولقطاء خليج الخيانة والعهر..؟
هل تصور وعاظ السلاطين ، شيوخ الموز و”البترودولار” أئمة الاسلام في أرض ( السيليه والعيديد) ، بعين خيالهم المعطوب ، كيف سينظر القادمون من نسلنا لهذا الدين الذي أفتى أحباره بجواز موت ثلث الليبيين لشراء حرية صنعتها حراب الصليبيين..؟.

هل فكر (الليبي) بفداحة الفاتورة التي يسددها اليوم من حاضره ومستقبله ومستقبل ابناءه وأحفاده في سبيل تلك المغامرة الرعناء التي دفعه إلى خوضها ثقة غير مبررة بأعداء دينه وثقافته وتاريخه ووجوده..؟.
هل تذكر (الليبي) صورة جده وهو يجثو على ركبتيه تحت الحذاء الايطالي والامريكي والانجليزي ، حين استحضرهم في 2011 باسم التحرير والديمقراطية ..؟
هل تدبر ( الليبي ) في دلالات ومغزى ان يكون قادة التمرد في معظمهم من قادة النظام نفسه أو من المقيمين في الخارج ويتمتعون بعلاقات طيبة مع عواصم القرار الغربي وأجهزنها الاستخبارية المتخصصة في تفريخ النخب السياسية في العالم الثالث ..؟.
حسنا في محاولة للإجابة عن كل هذه الاستفهامات البديهية ، أذكر أنني في آخر مقال نشرته في صحيفة صباح اويا بالعدد الصادر في 11 رمضان الموافق 11 اغسطس 2011 م كتبت هذه الفقرة بالنص : “الليبيون البسطاء الذين لايملكون غير جنسيتهم الليبية ..ولايتمتع ابناؤهم بجنسية أمريكية أو فرنسية أو ايطالية أو تركية ..الليبيون الفقراء الذين ليس لهم ولأبناءهم غير هذه البقعة الجرداء التي نسميها ” وطن ” ، ويتابدلون ( الآن ) أنخاب الدم والموت بأريحية تحسدهم عليها قطعان الذئاب المتوحشة ..

لهؤلاء أقول :- يا أخوتي عندما ينقشع غبار الكارثة وينسل الناتو بغنائمه بعيدا عن ديارنا ويتبخر تجار الحروب من بني جلدتنا مثل السحاب العقيم في سماء صيف حارق ..هل سنملك من الشجاعة لنجلس وجها لوجه ونعترف لأنفسنا ونقول : هاقد ضحكوا علينا مرة أخرى ..”
وفي ذات المقال رويت هذه القصة المطمورة بين أوراق التاريخ المنسي لهذه البلاد..يقول الراوي أنه في أواخر العهد العثماني الأول رست سفينة على الشاطيء الطرابلسي كان على متنها ” أفاق / نصاب ” زعم أنه يحمل فرمانا سلطانيا من الباب العالي يقضي بتنصيبه واليا على البلاد ، فاستقبله الأهالي الطيبون بالترحيب والاكرام والفرح..واستوى على كرسي الحكم في السرايا عزيزا مهابا..ولم يكد نهار اليوم الاول يلفظ أنفاسه حتى أصدر الوالي الجديد فرمانا يقضي باستبدال العملة المتداولة في البلاد..فبادر الأعوان بحماس منقطع النظير إلى جمع العملة الفضبة القديمة تمهيدا لصك العملة الجديدة..
في صباح اليوم التالي إستيقظ الأهالي على السفينة وهي تبحر بعيدا عن الشاطيء الليبي حاملة على ظهرها الوالي الجديد وأعوانه وعشرات الاكياس المملؤة بالقطع النقدية من عملتهم القديمة ..

كنت قد تذكرت تلك القصة وأنا أشاهد الولاة الجدد يأتون على متن بوارج وطائرات حلف الديمقراطية والمدنية وهم يلوحون بذات الوعود..وحينها آمنت أن تاريخ البسطاء الطيبين هو أيضا طيب وبسيط ويعيد نفسه باستمرار وبذات الوتيرة الطيبة البسيطة..

 

أخبار ذات صلة