ليبياأخبار مميزة

النيازك…الكنز المنسى في الصحراء الليبية

  • تتراوح أسعار أحجار النيازك مابين 10 – 20 دولار للجرام الواحد وفق تقديرات الخبراء

  • سعر جرام واحد من النيازك يعادل ثلاثة أضعاف سعر مايعادله من الذهب

  • الصحراء الليبية مخزن مفتوح أمام قناصوا الفرص المربحة

  • فضاءات دار الغاني واحدة من الأماكن الأكثر أهمية في العالم لاكتشافات النيازك

اسفاق سكان بلدة (تينسيت) بأقليم طاطا جنوب شرق المغرب ليلة الثامن عشر من شهر يوليو من عام 2012، على صوت انفجار مدوي أفزع الجميع، وظل السبب مجهولاً، ولم يعرف مصدر الانفجار أو أسبابه إلى حين وصول فريق علمي من جامعة أبن زهر بأكادير، إثر الاعلان عن ارتطام حجر نيزكي، سقط في منطقة صحراوية نائية، فيما شهد الموقع اكتظاظاً للسكان، وسارع المئات إلى تقليب الرمال قصد جمع الشظايا المتناثرة، التي تباع بأسعار مرتفعة إلى بعض هواة تجميع النيازك حيث يصل سعر البعض منها إلى 10000 درهم للغرام الواحد أي مايعادل 1181 دولار، فهذا جزء من حقيقة لم تكشف كاملة حتى الآن…. سوى فصل واحد كشف النقاب عنها إثر وصول قطعة من نيزك طاطا إلى المتحف البريطاني، بعد بيعه بسعر خيالي.

الفريق العلمي من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء الذي أشرف على الكشف عن النيزك في صحراء المغرب أكد أن سعر شظية من حجر طاطا تصل قيمتها المالية أزيد عشرين مرة مقارنة بنفس الوزن من الذهب، وفي تقرير نشر سنة 2010 أعلن المعهد الدولي للنيازك عن اتساع نطاق أعمال سرقة الأحجار من حقول النيازك المنتشرة على مساحات واسعة من كوكب الأرض، وبيعها لمراكز الأبحاث وهواة جمع المقتنيات الغريبة.

الدكتور (جون همينجوي) أحد المهتمين بدراسة النيازك أشار في تعليقه عن الظاهرة إلى احتمالية ارتفاع وتيرة سرقة النيازك، إثر تنامي ظاهرة الاتجار في الصخور القادمة من الفضاء الخارجي بشكل واسع، لاسيما مع استعداد هواة امتلاك عينات النيازك النادرة لدفع مبالغ مالية كبيرة مقابل الحصول عليها، ما أثار انتشار حمى السرقات، في وقت يخشى فيه من أن يؤدي ارتفاع سعر الجرام الواحد من النيازك إلى عشرين جنيه استرليني، أي ثلاثة آلاف أضعاف سعر الجرام الواحد من الذهب، إلى تزايد عمليات سرقة هذه الصخور.

وأشار تقرير نشرته قناة “بي  يس ي” مطلع العام 2001  إلى رصد عمليات سرقة صخور فضائية تنتشر وسط حقول في جنوب إفريقيا وألمانيا، من بينها عينة من نيزك يتشكل من 150 عينة من الحديد والنيكل سرقت من جنوب أفريقيا يقول العلماء إنها لا تقدر بثمن، ويقف التقرير على أوردته الدكتورة (مونيكا جرايدي) رئيسة برنامج النيازك والشظايا النيزكية الدقيقة في متحف التاريخ الطبيعي بلندن بالقول : ( نظرا لاتساع مجال التواصل عبر الإنترنت مقارنة بالسنين الماضية، فقد بات من اليسير الاتجار في النيازك على الصعيد الدولي. ويضاف إلى ذلك أن العديد من الأشخاص أصبحوا يبحثون بأنفسهم عن النيازك)، مضيفة : ( بات من اليسير، على سبيل المثال، الذهاب إلى الصحراء الكبرى لالتقاط النيازك والعودة بها، ومن ثمة بيعها. وتوجد حاليا أعداد كبيرة من قطع النيازك المعروضة للبيع، يقابلها تزايد كبير في عدد الأشخاص المستعدين لشرائها والاحتفاظ بها).

حقول النيازك الليبية

عثر فريق ألماني يقوم بأعمال مد وتركيب شبكات أنابيب نفط على بعد 100 كم جنوب شرق مدينة درج سنة 1986، على آثار ارتطام نيازك بالمنطقة، وبعد سنوات قليلة من الاكتشاف سجل العلماء وجود مايقارب من 100 حجر نيزكي في عدة نقاط جغرافية في الصحراء الليبية والجزائرية، للتوالى عمليات البحث وتسفر عن العثور على أكثر من 400 نيزك في الحمادات والعروق الصحراوية، تميزت بحالة جيدة من الحفظ نتيجة سقوطها في مناطق نائية،  فضلا عن عامل المناخ الذي حافظ على بقائها طيلة أحقاب طويلة.

وخلال الفترة من العام 1990 إلى 2000 عثر على حقول أحجار نيازك منتشرة على أراضي شاسعة في صحراء ليبيا، ومع اكتشاف أكثر من 450 نيزك في دار غاني بسرير القطوسة، الواقع ضمن أراضي سلسلة جبال الهاروج وسط الصحراء الليبية، أصبح الموقع ضمن اهتمامات صائدو النيازك الذين يتسللون في غفلة للاستحواذ على بقايا النيزك المتشظى، ويعتقد العلماء أن نيزك الغاني قادم من كوكب المريخ، حسب مايشير إلى ذلك الدكتور (لويجي فوكو) من متحف (ديلي أنتراتيدي) التابع لجامعة (سيينا) الايطالية، فيما قام بالدراسة والبحث التحليلي الدكتور ” إيان فرانكي” من الجامعة المفتوحة في المملكة المتحدة، بواسطة تحليل نظائر الاكسجين على العينات المكتشفة في المنطقة وحدد مصدر النيازك من كوكب المريخ، وسقط بالمنطقة وانتشرت شطاياه على مساحة 4500 كلم.

صائدا نيازك في ليبيا

(عقب زيارات متوالية إلى موريتانيا والجزائر التي كانت وجهات مليئة بالذكريات الرائعة، صارت الصحراء مصدر جذب خاص لأخي وأنا لسنوات عديدة، وعلى إثر اكتشف نيزك صغير على كثيب كان من ايقظ فينا الفضول الذي سرعان ما أصبح هاجس عاطفي أخدنا سياراتنا تجاه ليبيا، في رحلة للبحث واكتشاف حقول النيازك)… هكذا يصف الأخوين (بليسون) صائدو النيازك أولى خطوات المغامرة وسط فضاءات الصحراء الليبية، والتي أسفرت عن اكتشاف الصخور النيزيكية، في خريف عام 1998 توجها الفرنسيان (ريتشارد و رولاند بيلسون) إلى الحمادة الحمراء نحو غدامس على مسافة تمتد 300 كيلومتر من الشرق إلى الغرب، للبحث عن حقل نيزكي اكتشف سنة 1986، وتمكنا من التقاط أول الأحجار البالغ وزنه نحو 400 غرام، بعدالاستعانة بالصور والأحداثيات.

يقول (ريتشارد) : ( لقد وجدت النيزك الأول في منتصف الطريق المؤدي الى الجنوب ، وهو عبارة عن عشر شظايا تزن الواحدة مايقارب 30 كيلوغراما… وكان هذا الاكتشاف مصدر إثارة لأخي الذي كان يقوم بالبحث في مكان آخر بدوره)، ويروي تفاصيل الإكتشاف إلى شقيقه، وتفاجأه بوجود صخرة سوداء كبيرة أمام سيارته، ونزوله من السيارة وتفحصها معتدقاً أنها صخور بازلتية ليست ذي بال، ويضيف قائلاً : ( بدأت أفقد الاهتمام بها وقررت تركها في مكانها، ولكن في آخر لحظة، لاحظت كسر شاذ جعلتني أقرر إجراء عملية تفتيش روتينية مثلما نفعل.

عشرات المرات في اليوم، كلما نرى الصخور التي تبدو واعدة، وفي هذه المرة  لم يكن هناك آثار انصهار على القشرة، لكنها لم تظهر خاصية الجذب المغناطيسي، وبالاستعانة بالتجارب الأولية تبين أنها مانبحث عنه، الآن إعادة تجميعها بالكامل، وقررنا أن نعطيها اسم “ويلي”، وتم حفظها من نهاية مأساوية، وهي ماتزال آمنة وسليمة إلى اليوم.

وفي أعقاب مسح للحمادة توغل الأخوين (بليسون) جنوباً نحو سلسلة جبال الهاروج الأسود، وأمضيا أسبوعاً تمكنا خلاله من جمع 20 حجراً نيزكياً من أنواع مختلفة، بمافي ذلك HED  وكوندريت 3، في منطقة دار الغاني التي تحوي أكبر حقول النيازك في العالم وأفضلها، ويمكن تمييزها بالعين المجردة، وتتميز بتنوع مصادرها الفضائية، وتحوي بيانات قيمة عن الكواكب.

ويقول (ريتشارد) عن مغامرته وسط أراضي دار الغاني : ( في غضون سنة واحدة، أسفرت رحلتنا عن اكتشاف 210 كيلوغرام من النيازك، في مقابل 74 كلغ تمكنا من إماطة اللثام عنها في القارة القطبية الجنوبية… ونسعى من خلال حقول النيزك في دار الغاني إلى تسجيل أكبر قدر من المعلومات الممكنة حول الأرض، ووضع  البيانات كافة عنها، ولاسيما الإحداثيات الدقيقة للاكتشافات، مايسمح لنا بتقديم خريطة كاملة لتوزيع النيزك، وبالتالي توسيع معرفتنا بوتيرة سقوطها جنبا إلى جنب مع غيرها من الإحصاءات، تجنباً لمخاطر النهب الذي تتعرض له حقول النيازك في غيرها من بلدان شمال أفريقيا، وهذا هو مثال لنا جميعاً لحمايتها).

ويضيف بليسون: ( إثر أيام كانت مفعمة بالأمل ونحن ننظر في الزوايا المظلمة في جميع أركان الصحراء جمعنا أكثر من 36 كجم واعادة بناء 15.500 كيلو جرام من الصخور إلى شكلها الأصلي، غادرنا المكان ونحن ندرك أن هذه هي لحظة فريدة في حياتنا، وأننا حققنا اكتشافات مهمة، من النيازك التي تحتوي على الكربون، وهي من بين المواد الأكثر بدائية في المنظومة الشمسية. وهذا مالم يمكن تصوره قبل ثلاثة أيام وهو الآن أمام أعيننا، كانت الارض مغطاة بالآلاف من الشظايا، وتحمل شواهد عن ارتطام عنيف جدا نجم عنه تحطيم مثل هذا النيزك، المدفون تحت الأرض التي وفرت له الحماية من الرياح والرمال، وأستطعنا تمييز قشرة الانصهار بوضوح تام.

وقد تم تحليل الكتلة الرئيسية للنيزك، الذي لا يزال الأكبر من بين النيازك التي وجدت في ليبيا، والذي سوف يعرف رسميا تحت اسم دار الغاني 749. وقد تم الإبقاء على جزء رئيسي يقدر بنحو 25 كجم للحكومة الليبية وسيعرض في المتحف).

ويعد نيزك دار الغاني – 610، أكبر عينة تم العثور على الهضبة، يقدر وزنه بنحو 44 كيلوجراماً، ويمكننا القول أن هضبة دار الغاني هي واحدة من الأماكن الأكثر أهمية في العالم لاكتشافات النيازك.

وتقدر مجمل مساحة الهضبة الرئيسية والمنطقة الشمالية بمايقارب 6000 كيلومترا مربعا، ويبلغ عدد النيازك التي وجدت ضمن نطاقها الجغرافي حتى الآن هو أعلى من 1000 نيزك، على شكل أحجار مكومة فوق بعضها،  تشير إلى المسارات القديمة لقوافل الإبل، وكان حظنا جيداً بالعثور على نيزك في الجزء الأكثر إثارة للبحث).

سوق النيازك الليبية

في سياق تقرير أعده المعهد الدولي للنيازك أوضح (رالف هارفي) الأستاذ المساعد في جامعة محمية ( كيس ويسترن) بولاية (أوهايو) الأمريكية، والمتخصص في شؤون النيازك، أن الأساليب المستخدمة في جلب النيازك من أفريقيا، خصوصاً المغرب وليبيا، تثير أكثر من علامة استفهام ، مشيراً إلى أن عدد من المهتمين بتجميع الصخور القادمة من الفضاء الخارجي كانوا يتوجهون إلى هذين البلدين لاستقدام بقايا نيازك يبيعونها في ما بعد إلى مؤسسات أكاديمية في دول العالم، بأسعار تتراوح بين 10 – 20 دولار لكل جرام، مادفع البعض إلى تسميتها الذهب الأسود، في إشارة إلى ألوانها وأسعارها المرتفعة.

أرقام مفزعة

على الرغم من صدور القرار رقم 89 لسنة 2005، الذي يجرم بيع ونقل الصخور الفضائية، من حقول النيازك باعتبارها قطعاً أثرية، وتسري عليها مواد قانون الآثار، يبقى التساؤل حول إمكانية تطبيق مانص عليه القرار وتوفير الآليات لبلوغ ذلك؟…ولكن ومع كل الجهود والقوانين الصادرة ووضع النيازك ضمن السلع المحظورة، تبقى عملية الحد من ظاهرة تهريب النيازك بدون عنوان نظراً لوجود حزمة من الاختراقات، وغياب الوعي وأليات التوعية سواء لمقدمي الخدمات السياحية والمجتمعات المحلية،  فضلا عن عدم توفر الحماية الكافية في محيط حقول النيازك.

فمن خلال تتبع و تفحص المواقع المتخصصة في عرض وبيع أحجار النيازك، تكشفت أمامنا حقيقة مفزعة، مفادها أن حقول النيازك المنتشرة في الأراضي الليبية تتعرض لعمليات نهب وسرقة وتهريب، ومنذ سنة 1986 إلى عام 2001 بلغ وزن أحجار النيازك المهربة خارج البلاد نحو 139.420 كيلوجرام، من منطقة دار الغاني، والحمادة الحمراء فقط، من دون معلومات متوفرة عن الحقول الأخرى المتناثرة على مساحة الصحراء، مايدعونا إلى القول أن عمليات (كنس) شهدتها فضاءات الصحراء التي تلوذ بصمتها المطبق وأسرارها المدفونة… وكما يقال ماخفي كان أعظم.

 

الوسوم

أخبار ذات صلة