مجتمع

مختارات من قصص «صنّاع الأمل».. من مصر والسعودية والأردن

المتوسط:

نجحت مبادرة “صناع الأمل” منذ إطلاقها نهاية فبراير 2018 في اجتذاب عدد كبير من المشاركات من شباب وشابات من مختلف أنحاء العالم العربي يتطلعون إلى المساهمة في نشر الأمل وصنع تغيير إيجابي.

وتلقت المبادرة حتى اليوم آلاف قصص الأمل من أفراد ومجموعات لديهم مشاريع ومبادرات يسعون من خلالها إلى مساعدة الناس وتحسين نوعية الحياة أو المساهمة في حل بعض التحديات التي تواجهها مجتمعاتهم.

وسعيا لمشاركة هذه القصص كي تكون مصدر إلهام للآخرين الذين يتطلعون إلى تغيير مجتمعاتهم نحو الأفضل نستعرض بعض قصص صناع الأمل التي تفتح نافذة أمل وتفاؤل وإيجابية في عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج.

القصة الأولى أسست جمعية “نغم الحياة” لتقديم الدعم للمتضررين من إطلاق العيارات النارية، نغم.. أصغر رئيس جمعية في الأردن حولت معاناتها الشخصية إلى نور وأمل لغيرها .. نغم المواجدة صبية أردنية تبلغ من العمر 16 ربيعا.. اسمها يشي بالفرح والأمل لكن حياتها حتى عهد قريب كانت رديفا لليأس والألم.. نغم ضحية عيار ناري أصابها عن طريق الخطأ في إحدى المناسبات فقررت تأسيس جمعية خاصة لمساعدة متضرري إطلاق العيارات النارية سمتها “نغم الحياة”.

فقبل خمس سنوات وتحديدا في صيف العام 2013 تعرضت نغم لتجربة مؤلمة حين أصيبت بعيار ناري بطريق الخطأ في عينها اليمنى كما استقرت أجزاء من “الخرطوش” في أجزاء متفرقة من جسدها. وإذا كان الجسد قد شفي من جراحه فإن الألم النفسي الذي اضطرت نغم للتعايش معه وهي طفلة كان فوق قدرتها على الاحتمال.

وفي الوقت الذي كانت فيه رفيقاتها في المدرسة والحي يعشن طفولتهن بصورة طبيعية فإن معاناتها ظلت رفيقتها تراجع المستشفيات دوريا على أمل أن تشفى عينها تماما. لكن اليأس كان لها بالمرصاد حين أخبرها الطبيب بأسى أنها لن تتمكن من استعادة بصرها بسبب تعرض الشبكية لتلف كبير نجم عنه فقدان نظرها بالكامل. هنا أظلمت الدنيا تماما في قلب نغم وروحها.

لعل قصة أمل تشبه قصصا أخرى في الأردن لحوادث ومآس ناجمة عن إطلاق العيارات النارية في الأفراح والمناسبات لينقلب الفرح إلى عزاء حين تصيب رصاصة طائشة أحدهم دون أن ينفع الندم أو الأسى أو الاعتذار في التخفيف من المصاب الجلل.

لم تعد الحياة لنغم تعني شيئا فانسحبت من الحياة متحاشية نظرات الناس المشفقة مخفية وجهها وعينها بنظارات شمسية داكنة.

ومع ذلك إرادة الأمل لدى نغم تغلبت على اليأس.. فقد أدركت أن عليها أن تتجاوز واقعها وأن تفعل شيئا إيجابيا لنفسها ولآخرين من ضحايا حوادث مماثلة.. وهكذا وبدعم والدتها أنشأت في العام 2015 جمعية خاصة لمساعدة متضرري إطلاق العيارات النارية سمتها “نغم الحياة” ساعدها في ذلك شخص وقف إلى جانبها طيلة سنوات علاجها.

تهدف جمعية “نغم الحياة” – التي تعد الأولى من نوعها في الأردن – إلى تقديم الدعم والمساندة للمتضررين من إطلاق العيارات النارية ومساعدتهم على تجاوز معاناتهم عبر دمجهم في المجتمع وتنظيم الحملات والبرامج التوعوية لإيقاف إطلاق العيارات النارية في الأفراح والمناسبات الاجتماعية وتنظيم حملات طبية وتوفير كل أشكال المساعدة الصحية والمادية والمعنوية للمحتاجين.

وتأمل نغم – التي تعتبر فعليا أصغر رئيس لجمعية إنسانية ومجتمعية في الأردن – أن تصل رسالتها إلى جميع الناس وأن يكون هناك حراك اجتماعي يضع حدا لمعاناة يمكن تفاديها.. خاصة وأن الكثير من المناسبات المفرحة تتحول إلى مآتم بسبب ضحايا لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا في المكان والزمان غير المناسبين.

بالنسبة لنغم الجميع يستحق الحياة.. و”نغم الحياة” كمؤسسة إنسانية هدفها إعلاء قيمة الحياة.

أما القصة الثانية ساهمت في تطوير مبادرة وتطبيق ذكي لمساعدة أكثر من 6 ملايين شخص بدرية الشهرية.. سعودية تكرس رسالتها في الحياة لأصحاب الهمم معاناة خالتها مع الإعاقة والصعوبات التي كانت تواجهها في التعامل مع المجتمع ومعاناة أهلها أيضا في توفير احتياجاتها كانت ملهما لبدرية الشهري لأن تفكر جديا بمشروع هدفه تحسين حياة “أصحاب الهمم” في مجتمعها.

وحين التقت شخصا لديه الهاجس نفسه يشارك أصحاب الهمم معاناتهم كونه من ضمن الفئة نفسها أدركت بدرية أنها وجدت رسالتها في الحياة.. وهي أن تكون طرفا مبادرا وفاعلا وخلاقا في مشروع يمنح الأمل للآلاف من الناس من مجتمعها ممن تحد الإعاقة حركتهم أو تعطلهم عن تحقيق طموحاتهم.. فكانت أن انضمت إلى مبادرة “أصدقاء ذوي الإعاقة” التي طورها سلمان ضيف الله الدعجاني متخذا من معاناته مع الإعاقة وسيلة لمساعدة من هم على شاكلته كي يتخطوا معاناتهم ويتجاوزا إعاقتهم.

وتهدف المبادرة إلى الوصول إلى مجتمع صديق لأصحاب الهمم من خلال أفكار عملية وبسيطة يمكن تطبيقها وتعميمها في المجتمع بحيث تساعد على دمجهم في المجتمع من خلال التواصل مع مختلف الجهات والمؤسسات المعنية لتجهيز جميع المرافق العامة لتكون صديقة لهذه الفئة ولتقديم مختلف أنواع الخدمات والتسهيلات لهم.

تتحدث بدرية عن تجربتها في هذا الصدد فتقول “كنت أتواصل مع مدراء وأصحاب الشركات العاملة في مختلف المجالات من فنادق ومطاعم ومتاجر لتعريفهم بالمبادرة وتوعيتهم بضرورة العمل على تجهيز مرافقهم لتكون صديقة لأصحاب الهمم مع تخصيص مواقف سيارات لهذه الفئة بحيث تكون مزودة بلوحات تعريفية مصممة بطريقة غير تقليدية بالإضافة إلى تجهيز هذه المواقف بإنارة واضحة”.

وتضيف بدرية “كما نتواصل مع مختلف الشركات والمؤسسات التجارية والخدمية كي ينضموا إلينا مقدمين خصومات وعروضا خاصة لأصحاب الهمم وأسرهم كي يشعر الواحد منهم أنه شخص فعال وللتخفيف العبء عن الأسرة ككل”.

ومؤخرا تم تدشين تطبيق “برنامج صديق” الذكي لأصحاب الهمم وذويهم حيث يوفر قائمة بالمحلات والمؤسسات والشركات الصديقة التي تقدم خصومات ومزايا متنوعة تجعل تجربة الحياة بالنسبة لأصحاب الهمم وذويهم أيسر.

على مدى أكثر من عام كرست بدرية حياتها لهذه المبادرة مواصلة الليل بالنهار من خلال العمل مع الدعجاني صاحب فكرة المشروع سعيا من جانبها كي تسهم ولو بقدر يسير في إنارة درب شخص يعاني من إعاقة حركية أو سمعية أو بصرية أو أي شكل من أشكال الإعاقة التي قد تثبط عزيمته أو تحيله إلى شخص عاجز غير قادر على التكيف مع مجتمعه.

لم تترك بدرية مكانا في السعودية إلا وتوجهت إليه ولم تترك جهة إلا وتواصلت معها من شركات ومؤسسات وفنادق ومطاعم ونواد ومتاجر على الرغم من صعوبة التنقل أحيانا كونها امرأة. بل إنها في أحيان كثيرة كانت تقطع مسافات طويلة على قدميها للوصول إلى غايتها. لكن إيمانها برسالتها وإحساسها العالي بالمسؤولية جعلها تأخذ هذه المهمة على عاتقها بكل حب وصدق.

وبعد شهور من العمل والمتابعة والتواصل الحثيث مع مختلف الجهات الرسمية في المملكة تم في مارس 2016 تدشين مبادرة “أصدقاء ذوي الإعاقة” في حفل خاص في الرياض بحضور وزير الشؤون الاجتماعية السعودي الدكتور ماجد القصيبي وعدد من الشخصيات الرسمية وأصحاب الشركات والمؤسسات الذين انضموا إلى المبادرة كداعمين رئيسيين حيث يخدم هذا المشروع أكثر من 6 ملايين شخص من أصحاب الهمم وأسرهم.

وقد تسنى للحضور اختبار تجربة الإعاقة من خلال جلوسهم على كراس متحركة في لفتة حرص خلالها الجميع على التأكيد على تعاطفهم مع هذه الفئة ودعهم لها ولقضاياها.

أما القصة الثالثة من جهد فردي إلى فريق من المتطوعين يجوبون شوارع المدينة مركز بسمة للإيواء.. يعيد البسمة على وجوه المشردين المسنين في أحياء القاهرة في مركز للإيواء بمنطقة الشرقية في القاهرة بمصر أسسه الشاب محمود درج مع مجموعة من أصدقائه يعيش نحو 130 مشردا ممن احتضنهم المركز بهدف مساعدتهم على تجاوز حياة البؤس والمرض التي يعيشونها ضمن مشروع تطوعي مجتمعي يشارك فيه أكثر من 150 شابا وشابة من مصر.

قصة محمود مع الأمل بدأت بالصدفة في فبراير من العام 2016 أثناء مروره من أحد أحياء القاهرة القديمة حيث شاهد رجلا مسنا ملابسه رثة نائما تحت “الكوبري”.. ترجل محمود من السيارة واتجه إليه وحاول التحدث معه كي يعرف منه أي معلومات عن أهله أو مكان سكنه لكنه لم يتوصل معه إلى شيء حيث بدا واضحا أن المسن يعاني اضطرابا نفسيا ما. يستعيد محمود ذاك المشهد قائلا “لا أنسى منظر الرجل يومها.. كان حزينا متألما وبائسا وأدركت أنه يتعين علي القيام بشيء من أجله”.

لجأ محمود في البداية إلى الجيران الذين تبرعوا بملابس لائقة للعجوز قبل أن يأخذه إلى مكان للاغتسال ومن ثم إلى الحلاق حتى تحول إلى شخص آخر مختلف تماما عن منظره البائس الذي كان عليه في الشارع.

يقول محمود “قمت بنشر صورة المسن في هيئته السابقة التي كان عليها ثم في هيئته الجديدة على الفيسبوك ليتشاركها عدد كبير من الناس إلى أن تعرف أهله عليه حيث تبين أنه مفقود منذ نحو سبع سنوات”.

لا يستطيع محمود أن يصف سعادته وهو يشاهد اللحظة التي اجتمع بها المسن مع أهله حيث تواصل معه مركز الشرطة في هذا الخصوص طالبين منه إحضاره ليسلمه إلى عائلته الذين كانوا يترقبون عودته بأي شكل.. لقد كانت لحظة عاطفية مؤثرة.

هذه الحادثة دفعت محمود إلى أن يواصل مهمته الإنسانية فأطلق مبادرة لإيواء المشردين من كبار السن ودعا أصدقاءه عبر صفحته على الفيسبوك لمشاركته في تنفيذها فانضم إليه عدد كبير من الشباب مدفوعين بذاك الحس الإنساني الذي تربوا عليه ألا وهو الحفاظ على كرامة الناس خاصة أولئك الذين هم في سن أو في وضع نفسي أو اجتماعي هم أحوج ما يكونون فيه إلى المساعدة والدعم.

شكل محمود وأصدقاؤه فريقا من المتطوعين ونزلوا إلى شوارع القاهرة لجمع أسماء المشردين حيث أعدوا قائمة بعدد كبير من المشردين من بينهم سيدة مسنة تدعى “بسمة” وهو ما جعلهم يطلقون على فريقهم اسم “بسمة للإيواء” ترجمة لهدف المشروع ألا وهو إعادة البسمة على وجوه أتى عليها الدهر وارتسمت عليها كل صنوف الألم والشقاء.

وسرعان ما تطورت الفكرة من فريق تطوعي يقدم خدمات عابرة أو مؤقتة للمشردين إلى تأسيس دار مخصصة لهذه الفئة الهشة كي تكون مأوى مناسبا لهم توفر السكن والملبس والطعام والعلاج الأمر الذي دفعه وأصدقاؤه في الفريق إلى التقدم بطلب للجهات المختصة من أجل إيجاد مأوى للمشردين يقوم على تبرعات يقدمها أهالي المناطق التي يعيش فيها المشردون. وتم جمع مبلغ من المال مكنهم من استئجار منزل من طابقين.

لا يكتفي محمود ورفاقه بتوفير سكن أو مكان إقامة للمشردين إلى جانب توفير أبسط الخدمات الأساسية لهم فبعد إيوائهم في مركز “بسمة للإيواء” يتم تدريبهم على بعض الأشغال والمهام في مجالات مهنية عدة كما يتم نشر صورهم وكل المعلومات المتوفرة عنهم على الصفحة الرسمية الخاصة التي أنشئت خصيصا للمركز بانتظار تعرف أهاليهم على هؤلاء المشردين.

يأمل محمود درج أن يواصل العمل على مشروعه وأن يتاح له تطويره وتوسيع نطاق خدماته كي يتمكن من استضافة أكبر عدد من المشردين من مختلف أنحاء القاهرة والمساهمة مع فريقه من المتطوعين في إعادة كرامتهم الإنسانية وإعادة “البسمة” لهم مؤمنا بأنه يصنع فرقا في حياة أناس أضنتهم قسوة العمر والأيام.. وهو فرق يعني الأمل بحياة أفضل.

الوسوم

أخبار ذات صلة