ليبياأخبار مميزةتقارير وملفات

هل تتحرر درنة من مسمى (قندهار أفريقيا)؟

المتوسط/ خاص:
سيبدو من المفارقات العجيبة أن تتحول مدينة درنة التي عرفت في ستينيات وسبعينات القرن الماضي بأنها مدينة الثقافة والمسرح والجمال، إلى معقل الإرهابيين والمتطرفين، وستشتد المفارقة، حين توسم المدينة التي كانت أكثر انفتاحا بين المدن الليبية، بأنها (قندهار أفريقيا). ثلاثون عاما ويزيد، ظلت هذه المدينة الجبلية مرتعاً للإرهابيين الذين لجأوا إليها، متخذين من كهوفها وأوشازها معاقل سرية، للتجهيز لعملياتهم الإرهابية، وتدريب وإعداد المقاتلين، كي يكونوا جاهزين للتصدير إلى بقية مدن ليبيا، وعدد من الدول العربية.
زارها الفكر المتطرف مطلع الثمانينات، وكانت المؤشرات الأولى توحي أن ترسانة درنة الثقافية قادرة على هزيمته في الجولة الأولى، لكن، للأسف، تمكن هذا الفكر المنحرف من استقطاب العديد من شبابها، والدفع بهم إلى الحرب السوفيتية الأفغانية تحت مسمى الجهاد، وحينما عاد أولئك الشباب محملين بتجربة نوعية في القتال، كانت في استقبالهم تلك الكهوف التي أتاحت لهم فرصة الهروب عن عيون الأمن، واحتضان الجماعة الليبية المقاتلة.
شن النظام السابق حملة أمنية موسعة ضد المتحصنين في الكهوف خلال فترة التسعينات، انتهت بمقتل البعض من أولئك الشباب، وإيداع البعض الآخر في سجن أبو سليم، لكن قلة منهم تمكنت من الفرار، وظلت في حالة ( خفوت) إلى حين اندلاع أحداث فبراير عام 2011 .
قيادات الإرهاب
 قائمة قيادات الإرهاب في ليبيا، تضم عناصر عديدة تنتسب لدرنة، يأتي على رأسها سفيان بن قمو الذي عرف بعلاقته الوثيقة بأسامة بن لادن، وكان قد أفرج عليه عام 2010 بعد رحلة طويلة قضاها ملازما لبن لادن في السودان وأفغانستان، قبل أن تقبض عليه القوات الأمريكية عام 2001 ، وترمي به في معتقل غوانتانامو، ثم بعد ذلك يتم تسليمه عام 2006 إلى النظام الليبي الذي أودعه سجن أبوسليم. في العام 2011 استغل بن قمو فرصة انهيار النظام السابق، واستعاد حضوره في درنة كمنظر لأفكار القاعدة، وتمكن من تجنيد العديد من الشباب لحساب داعش، قبل أن يحاصر عام 2015، ويتمكن من الفرار، والاختفاء. في درنة لا يبدو غريبا أن تتناسل القاعدة، وتظهر في مسميات عديدة، مثلما لا يعدو أمراً شاذا بروز قادة إرهابيين جدد يعملون على تنفيذ أجندة القاعدة، حتى وإن أقتضت الضرورة استخدام عناصر لا يؤمنون بأفكار هذا التنظيم. هذه الحالة سيجسدها بالتأكيد سالم دربي الذي أعلن في 12 عام 2014 عن تأسيس مجلس شورى مجاهدي درنة .
دربي كان منتميا إلى الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة، وظل مختفيا في الكهوف منذ عام 1996، قبل أن يظهر، ويعلن توبته فى 2006 وتراجعه عن أفكاره المتطرفة، لكنه، بعد أحداث فبراير، تراجع عن هذه التوبة، وعاد لتبنى الأفكار الإرهابية، شارعا في تأسيس كتيبة شهداء أبو سليم، التي انضمت إليها بعد ذلك عناصر متطرفة آخرى، على رأسها عناصر من كتيبة البتار التي كانت تقاتل في سوريا عام 2012 .
في يونيو 2015 أعلن دربي الحرب على داعش بعد مقتل القيادي في مجلس شورى درنة ناصر العكر، مستغلا حالة الرفض الشعبي الكبيرة لهذا التنظيم، وبدأ حينها في الإعلام الموالي للأخوان المسلمين تصدير شورى درنة على أنه التنظيم الثوري الذي يخوض حرباً مقدسة من أجل تطهير درنة من الإرهاب الداعشي، في حين أن الحقيقة توحي بغير ذلك، فلم تكن هذه الحرب التي انتهت بطرد داعش من المدينة ومقتل سالم دربي، سوى صراع بين التنظيمين على السلطة والموارد بدرنة.
أفكار التنظيمين
أفكار التنظيمين، واحدة، وأدبياتهما تصب في هدف واحد، وهو تحويل درنة إلى إمارة إسلامية، تطبق الحدود وتقيم شرع الله وفقاً لرؤية لا تنتمي لهذا العصر، ولا تتفق مع التفاسير الصحيحة والعميقة للنصوص القرآنية.
اختطف مجلس شورى مجاهدي درنة، المدينة بأكملها ، شاهرا أسلحته في وجه من يقف في طريق سيطرته الكاملة على مؤسسات الدولة داخل درنة، حتى أنه قام خلال العامين الماضيين بتنفيذ العديد من عمليات الاعتقال والتصفية ضد من يؤيدون الجيش، ويرفعون شعارات الدولة المدنية الديمقراطية، وقد لا يبدو غريبا على هذا التنظيم الذي وضع على لائحة التنظيمات الإرهابية، قيامه بإعدام بعض من قاتلوا إلى جانبه ضد تنظيم داعش. باتت درنة التي سرقت منها مدنيتها، وتفاعلها الكبير مع مفردات العصر خلال الستينات والسبعينات، مدينة مجللة بالسواد، يحاصرها الإرهاب في كل زاوية وركن، ولا تقوى على النطق بمفردتي القانون والجيش. مجلس شورى مجاهدي درنة لم يفكك معسكرا واحدا للإرهابيين، خلال سيطرته على المدينة التي تجاوزت العامين، بل على العكس، مضى هذا التنظيم الإرهابي في تحويل حتى مقار الشركات المدنية إلى معسكرات تدريب وتأهيل ، يتم فيها تعليم الإرهابيين على صنع وتفكيك العبوات الناسفة، وصنع المواد السامة، علاوة على تعليمهم كيفية استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وحتى الأسلحة الثقيلة.
لم يتوقف التنظيم إلى هذا الحد، بل أنه وسّع من نشاطه الإرهابي إلى درجة مد التنظيمات الإرهابية في بنغازي بالمقاتلين والسلاح في معاركها ضد الجيش، وفتح الباب مشرعا لاستقبال الإرهابيين من دول الجوار.
وحدث أن أشرف التنظيم على تنفيذ عمليات إرهابية في مصر، واحتضان إرهابيين قادمين من تونس والجزائر وبعض الدول الأفريقية.
الجيش الليبي الذي فرغ مؤخرا من تحرير بنغازي، يبدو أنه عاقد العزم على قتل رأس أفعى الإرهاب في درنة خاصة بعد أن أكمل تجهيزاته العسكرية واللوجستية، وبات قريبا على تنفيذ عملية واسعة، تنتهي بعودة درنة إلى الوطن، كمدينة إشعاع حضاري وثقافي.
آخر الأخبار
آخر الأخبار تفيد بأن مدفعية الجيش بدأت بعد ظهر اليوم الاثنين في دك معاقل هذا التنظيم في غرب المدينة، وسط تحذيرات من غرفة عمليات عمر المختار للأهالي بضرورة الابتعاد عن المواقع التي تتواجد بها عناصر شورى درنة حفاظا على سلامتهم. بالمقابل شرع شورى درنة، والوسائل الإعلامية التابعة للإخوان في (حملة تحشيد) لإيهام المواطنين أن درنة تتعرض لعدوان أجنبي بغية كسب تعاطف الرأي العام المحلي والدولي.
ويبدو أن شورى درنة يحاول حاليا إعادة سيناريو حربه ضد داعش، بمشاهد وكلمات تظهره بمظهر المدافع عن شرف المدينة وعرضها، فهل ينطلي هذا السيناريو على شباب مناطق درنة، الذين قاتلوا مع هذا التنظيم في معركة تحرير درنة من الدواعش، ثم أكتشفوا أنهم استبدلوا تنظيما إرهابيا، لا يختلف عن داعش إلا في كيفية القتل: بالسكين أم بالرصاص؟

 

الوسوم

أخبار ذات صلة