ليبياتقارير وملفاتالمرصد

تحقيق مثير عن التحالف الأسود بين المافية الإيطالية وداعش والمليشيات في ليبيا

 

رصد وترجمة/ المتوسط:

تحقيق مثير، اشترك في إجرائه كل من مجلة  (المجلة)، وهي مجلة سعودية مقرها في لندن، والصحيفة الإيطالية “إيل فاتتو كوتيديانو”  يكشف عن تفاصيل خطيرة حول الثالوث الأسود( المافية الإيطالية، داعش، المليشيا)، وتورط هذا الثالوث في سرقة النفط الليبي.

المتوسط رصدت التقرير، وقامت بترجمته ونشره كاملاً دون اختصار أو تحوير.

*************

هذه قصة مظلمة, كظلام عباءات الميليشيات الليبية التي أقسمت الولاء لداعش. أو مثل النظارات المظلمة للرجال الذين يصلون من صقلية إلى شمال أفريقيا لمناقشة الأسعار والطرق والأرباح, أو قاتم مثل النفط المسروق من الزاوية، أهم مصفاة للنفط في ليبيا، بطاقة إنتاجية تبلغ 120000 برميل يومياً. أو قاتم  مثل لون البحر الشتوي في ميناء أبو كماش، على بعد 40 كيلومترا إلى الشمال، محمية ومحصنة من الضوابط وأعين المتطفلين. وهنا، حيث وصلت في غضون ما لا يقل عن عامين مئات اللترات من النفط الخام، سُرقت من الحكومة الليبية، وهُربت على قوارب الصيد وغيرها من السفن الصغيرة المعدلة لهذا الغرض.

تبحر ناقلات النفط الصغيرة في جنح الليل, وبعد ساعات قليلة تدخل المياه الاقليمية المالطية. في أعالي البحار,  ينتهي الذهب الأسود في بطون ناقلات النفط الكبيرة. وتسمى عملية تفريغ الوقود من سفينة إلى أخرى مع إيقاف نظام التعقب, بـ”سفينة إلى سفينة”. ويتم نقل البراميل من هذه الناقلات الصغيرة إلى حاويات ناقلات النفط الصناعية التي تحملها إلى موانئ أوغستا في صقلية ، وميناء سيفيتافيكيا شمال غرب روما، وميناء مارغيرا في البندقية.

وبهذه الطريقة، سُرق أكثر من 82 مليون لتر من وقود الديزل من ليبيا, وهُرب إلى أوروبا، وانتهى به الأمر في خزانات الوقود لآلاف المواطنين الأوروبيين. هناك 27 مليون يورو قيمة كمية الوقود مع قيمة سوقية على الأقل ضعف هذا المبلغ. ويحمل النفط توقيعين هما: المليشيات الليبية التي أقسمت الولاء لداعش والمافيا الصقلية. وقال كارميلو زوكارو، المحامي العام في كاتانيا، والذي نسق التحقيقات في الإرتباط الإجرامي المتباين: “لا يمكننا استبعاد ذهاب هذا الجزء من عائدات هذا الإتجار غير المشروع إلى داعش، ولكن ليس لدينا أي دليل على ذلك”. وأصدرت ستة أوامر حبس إحتياطي لعدد من المشتبه بهم : فمن جانب هناك رجال الأعمال المشبوهين في مالطا، ومن جهة  أخرى هناك أفراد يُشار إليهم بأنهم قريبون من المافيا الصقلية ومقاتلي المليشيات الذين سيطروا على السلطة في ليبيا بعد القذافي.

تجارة الذهب الأسود

هذه التجارة تنتقل بين قارتين وتشمل الذهب الأسود “المسروق” من قبل الميليشيات من المصافي الليبية، والذي يجري تهريبه إلى أوروبا من قبل الأفراد في ظل المافيا. هذه التجارة التي ترى تدفق رأس المال من أفريقيا وتجد المأوى في الجزيرة الصغيرة, مالطا –  التي تشكل ملاذاً للمجموعات الإجرامية من نصف العالم. في الواقع، هنا في مالطا حيث يمكنك العثورعلى المكتب الرئيسي لشركة (أي.دي.جي للتجارة) ، مسجلة في العنوان 22 طريق منسيا، وهي منطقة معروفة في بلدة  سان جوان وسط مالطا. عنوان هو بطريقة أو بأخرى يشكل نموذجاً هذه القصة.

تم إنشاء أي.دي.جي للتجارة,  لتداول وإدارة بعض حمولات السفن، لصالح فهمي بن خليفة ، المعروف باسم “المعلم”، أو “الرئيس”.

ولد فهمي في زوارة، ليبيا. وقد سُجن خلال حقبة معمر القذافي بتهمة تجارة المخدرات , وأطلق سراحه أثناء الربيع العربي. منذ عام 2011، سيطر فهمي على ميليشيا مسلحة تملي القانون في المنطقة الساحلية بين زوارة وأبوكماش والحدود التونسية, وله علاقة وثيقة مع أحمد إبراهيم حسن أحمد عرفة، وهو مصري ورد أسمه في تقرير مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي نشر في عام 2016 كاسم بارز في شبكة تهريب الوقود غير المشروع  في البحر الأبيض المتوسط.

الجدير بالذكر أن المخابرات الليبية أعتبرت فهمي “ملك تهريب الوقود”. على الأقل، حتى إعتقاله في 24 أغسطس الماضي. إزدهرت إمبراطورية فهمي بن خليفة الصغيرة عندما تمكن من الاتصال بمسؤولين من المؤسسة الوطنية للنفط، الشركة العامة المسيطرة على إنتاج وتسويق وتصدير النفط الخام والمنتجات النفطية في ليبيا. وبهذه الطريقة وصل رجال فهمي إلى مصفاة الزاوية حيث يتمكنون من استخراج مئات البراميل من الوقود لشحنها إلى أوروبا. كل ذلك بفضل العلاقات بين “المعلم” والمؤسسة الوطنية للنفط ، وهي الشركة نفسها التي تدير إلى الغرب بمسافة قصيرة مصنع مليته في مشروع مشترك مع إيني، وهي شركة إيطالية متعددة الجنسيات للنفط والغاز ومقرها روما.

وقال المحللون في شركة ويندوارد الإسرائيلية، وهي شركة بيانات وتحليلات بحرية، “إن التهريب غير المشروع للنفط الخام يوفر لتنظيم داعش وغيره من الجماعات الإرهابية التمويل لعملياتهم في ليبيا”. في الواقع، النفط الخام هو تجارة لفهمي. في حين أن عمل ميليشياته التي تقوم بتهريب الوقود وتنظيم الشحنات يتم الدفع لها بسخاء عن طريق المشترين الأوروبين.

في هذه المرحلة هناك دور أساسي لليبي آخر يدعى طارق دياب دردار. ويحتفظ دردار بسلسلة المحفظة بفضل بعض الحسابات الجارية “العابرة” في تونس، والتي تُستنفز بعد ذلك لاستكمال العلاقات المصرفية اللاحقة التي بدأت في ليبيا، وهي متاحة حصرياً لفهمي بن خليفة.

السؤال الذي يطرح, من هم المشترون للنفط الخام المهرب من شمال أفريقيا؟ الاسم الأول الذي يجب أن يلاحظه المحققون الإيطاليون هو ماركو بورتا، وهو رجل أعمال اإيطالي يبلغ من العمر 48 عاماً, وهوالرئيس التنفيذي لشركة ماكسكوم بانكر , أس بي أي ، وهي شركة مقرها في روما , ولديها فرع في جنوة, وتعمل في تجارة الجملة للمنتجات البترولية. بالنسبة للمحققين، ماكسكوم هي وجهة النفط الليبي.

قال المحققون: “يدرك بورتا تماماً المنشأ الليبي للمنتج [مصفاة الزاوية] وما يترتب على ذلك من ضرورة إخفاء مصدرها الإجرامي من خلال الترويج لنظام يهدف إلى الحصول على تدفق مستمر للمنتجات النفطية ذات المصدر غير المشروع بسعر مخفض مقارنة بتلك من السوق الرسمية، بورتا يهدف إلى ضمان حصول ماكسكوم بانكر على هامش ربح أعلى وتحديد تغيير في ديناميكية المتنافسين العادية “. الموضوع باختصار: الأعمال التجارية هي الأعمال التجارية (بزنس إز بزنس). هي تجارة لايعوقها أحد. لا شئ يعوق عمل الميليشيات الليبية، ولاعمل بعض رجال الوسط المشبوهين.

وسيكون من المستحيل على بورتا أن يقوم بأعماله دون تعاون ثلاثة رجال أعمال : المالطيان دارين وجوردون ديبونو والإيطالي أورازيو نيكولا روميو. الاثنان الأولان يملكان عدة شركات في مالطا متخصصة في صناعة الصيد. هؤلاء الأفراد معروفون بالفعل في فاليتا, عاصمة مالطا, وذُكروا في التحقيق في إغتيال دافني كاروانا غاليزيا، الصحفية المالطية التي قُتلت في إنفجار سيارة مفخخة في 16 أكتوبر 2016. القنبلة المستخدمة لقتلها هي نوع خاص من المتفجرات البلاستيكية، مثل تلك المستخدمة في الحرب الأهلية الليبية. وهناك أثر يربط مقتل الصحفية بقصة أكثر تعقيداً بعيداً عن الجزيرة المتوسطية الصغيرة.

ما هو مؤكد هو أن كاروانا غاليزيا هي التي كشفت كيف أن دارين ديبونو – لاعب كرة قدم مالطا السابق – صاحب مطعم السمك (سكوليتي) في فاليتا، في موضع استراتيجي بين مكاتب الوزارة, أستغله لجذب الزبائن من السياسيين وبعض الشخصيات العامة البارزة في الجزيرة المتوسطية. وبعد كل ذلك، كانت ابنة ديبونو قد شاركت في حملة سياسية دعائية لحزب العمل الذي يحكم مالطا من خلال رئيس الوزراء جوزيف موسكات منذ يونيو الماضي.

وقالت الصحفية المالطية قبل وفاتها: “لقد أظهر حزب العمل عدم الاكتراث كونه قريب من هؤلاء الأفراد الذين لديهم خلفية جنائية ويتصرفون بشكل مشكوك فيه”. تم بالفعل ملاحقة ديبونو قانونياً لصيد الأسماك غير المشروع، وكان ديبونو هو الذي خلق شهادات وهمية تشهد على الأصل القانوني للوقود المسروق من ليبيا وشراءها من قبل ماكسوم بانكر. وفي تسجيل لمحادثة بين ديبونو ومالك ماكسكوم, يشرح دارين ديبونو لصاحب ماكسكوم “انهم يأتون لنا عندما نصل الى الحدود. لذا، كيف تقول، نحن أكثر أمانا، هل تفهمني؟ “،. هذا أكد للمحققين أنه لابد أن هناك بعض اجتماعات القمة الحقيقية في مكان ما في الصحراء بين تونس وليبيا. الإجتماعات تمت بين فهمي، ولاعب كرة القدم السابق ديبونو ورجل الأعمال أورازيو روميو.

آخر شخصية في هذه القصة المظلمة:  رجل صقلي من كاتانيا، ويعتقد أنه على مقربة من سانتاباولا إركولاني، عائلة المافيا القديمة في شرق صقلية, اسمه جوزيبي سكولو, ذُكر من قبل مخبر, الذي أوضح كيف أنه كان محل ثقة عائلة إركولاني, وخاصة ماريو إركولاني. وبين المخبر كيف أن روميو نفسه قد طلب لقاء وجها لوجه مع أنتونينو سانتاباولا، شقيق الرئيس الكبير نيتو، لمناقشة الابتزاز في حانة في ميستربيانكو. وقد تم بالفعل التحقيق في التآمر على القتل، غير أنه لم تثبت أي من الاتهامات الموجهة ضد روميو. ولهذا السبب استبعده القضاة من الارتباط مع كوزا نوسترا. أما بالنسبة للمدعين العامين، فمن اللافت أن يكون الرجل الذي يشار إليه على أنه قريب من عائلات المافيا على اتصال بالميليشيا الليبية. وأضاف المحققون:  “لا يوجد يقين على مستوى التحقيق أن كوسا نوسترا أجرى محادثات مع الميليشيات الليبية. ومع ذلك، هناك علاقات فردية معينة بين الأعضاء المنفردين أو الأعضاء المفترضين في المنظمات المعنية – نحن نحقق في ذلك “. وهناك دلالة على أن هذه القصة المظلمة للبترول والمال والقتل ليست على وشك الإنتهاء بعد.

علاقة المافيا الإيطالية بالمليشيات الليبية

وفقاً لمسؤول في جهاز الاستخبارات العسكرية في غرب طرابلس، فمن يريد أن يكوّن علاقة قوية بين المافيا العاملة في البحر الأبيض المتوسط ​​وتجار المخدرات، ومهربي البشر والمتطرفين مثل داعش, عليه أن يتعلم درساً من قصة المهرب الأفريقي، مدهاني يهديجو ميريد, البالغ من العمر 35 عاماً.

وقال المسؤول أن مدهانى المولود فى إريتريا يعمل فى كل شئ. “عليك فقط أن تدفع له ولجموعته الأموال المطلوبة، وتترك الباقي له”.

أضاف المسؤول: “عندما حاولت المخابرات في طرابلس، التي كان يقودها العقيد مصطفى نوح، تعقب مدهاني وأنشطته المشبوهة في البحر الأبيض المتوسط، تم معاقبة نوح بوحشية، ومهاجمة مقراته في العاصمة من قبل ميليشيات موالية لرئيس المجلس الرئاسي فايز السراج “.

ويبدو أيضا أن أولئك الذين يحمون نشاط المافيا، جنباً إلى جنب مع المهربين والمتطرفين، قد استفادوا من المشاكل الأمنية والاختلافات السياسية في ليبيا منذ أوائل عام 2016, أو كما قال رجب بن غزي، الذي تعامل لبعض الوقت مع الإسلاميين ، قبل أن يهاجمهم في برنامجه على محطة تلفزيون “ليبيا 24”: “إن مافيا الإتجار بالبشر والمخدرات والإسلاميين ليس لديهم مشكلة في التعامل مع بعضهم البعض في المنطقة الغربية من طرابلس حيث الأمن هش. ومع ذلك، أعتقد أنهم لا يتعاونون بالضرورة بشكل مباشر وفي العلن “.

قال مسؤول قبلي له علاقات مع أجهزة الإستخبارات في غرب طرابلس: “بدأت قصة صبراتة مع الرجل الإريتري مدهاني الذي ابتعد عن الأضواء وانتهت بفضيحة أحمد الدباشي من صبراتة الذي عينه السراج رئيساً لهيئة حماية السواحل الغربية بطرابلس ، ودعمته إيطاليا.

وقد وصلت التحقيقات في قضية الدباشي إلى الحكومة الإيطالية بعد اتهام كتيبته بأنها مافيا مرتبطة بالمتطرفين. وظهرت وثائق من المخابرات الليبية حول رحلة مدهاني من صبراتة، المدينة التي تنتمي إليها كتيبة الدباشي، حيث تجري عمليات مشبوهة واسعة النطاق بما في ذلك هجمات داعش. كما أنها المنطقة التي استهدفتها الغارات امريكية.

في 12 يوليو 2016، جادل العقيد نوح السراج حول تورط بعض قادة المافيا من البحر الأبيض المتوسط في أنشطة غير مشروعة في غرب ليبيا. والاشتباه كان في مشاركة الأطراف الإيطالية بطريقة ما في وجود مدهاني في صبراته.

ووفقا لشهادة نوح أمام رئيس المجلس الرئاسي، فإن مدهاني هو زعيم مافيا، وأنشطة الهجرة غير القانونية من الشواطئ الليبية إلى إيطاليا وجميع أنواع الجرائم المنظمة لا يمكن أن تحدث إلا بحضوره.

وفي يوليو 2016، اكتشفت أجهزة المخابرات وجوده في منزل أحمد الدباشي في صبراته، ولاحظت أنه استأنف أنشطته من هذه المدينة. وكانت هذه الحادثة صادمة بالنسبة للأجهزة الأمنية في طرابلس. لماذا ؟ لأنه في يونيو 2016 شُوهد الرجل الإريتري لآخر مرة في سجن في روما بعد أن اعتقلته السلطات السودانية في مايو من ذلك العام على أراضيها وسلمته إلى السلطات الإيطالية في الشهر التالي.

ووفقا لما ذكرته أجهزة الاستخبارات الليبية في هذا الصدد، طلب العقيد نوح من روما وقف الوفد الأمني ​​الليبي من السفر إلى إيطاليا للمشاركة في التحقيقات في قضية مدهاني, لأنه اتهم في ليبيا بإدارة شبكة مافيا لها صلة بالمتطرفين والجماعات والعصابات الضالعة في الهجرة غير الشرعية.

وقال مسؤول في أجهزة الإستخبارات عمل مع العقيد نوح أن وفداً أمنياً ليبياً يتألف من ضابطين ليبيين سافر من طرابلس إلى روما في منتصف يونيو 2016. وأضاف أنهم دخلوا غرفة التحقيقات في سجن ريبيا في روما مع المحققين الإيطاليين حيث تم جلب مدهاني.

وقدم المُدعى عليه معلومات عن عصابات دولية خطيرة يتعاون معها عبر البحر الأبيض المتوسط وتعمل في مجال الإتجار بالبشر والمخدرات وتهريب النفط وتسهيل حركة المتطرفين عبر تونس وأوروبا وجنوب ليبيا بالإضافة إلى تفاصيل مأساوية أخرى.

وبعد أقل من شهر من التحقيقات في سجن ريبيا مع مدهاني، تلقى العقيد نوح بلاغات في منتصف يوليو حول ظهور الرجل الإريتري في صبراتة، وفقا للمصدر نفسه.

وكانت مصادر هذه البلاغات هي غرفة وزارة الداخلية في صبراته، وفرع المخابرات الليبية في المدينة، واللجنة الأمنية العليا في صبراته، وخفر السواحل، الذي يعمل أيضا على شواطئ صبراته.

تم تعقب مدهاني حتى وصل إلى منزل أحمد الدباشي، حيث تمت دعوته.

وفي مواجهة سيل من المعلومات المشكوك فيها حول الإفراج عن مدهاني من السجن الإيطالي ووصوله إلى صبراته وعودته إلى القيام بأنشطة خطرة، اتفق السراج والعقيد نوح على أن نوح يجب أن يعد تقريراً يتضمن جميع المعلومات لتقديمها إلى الحكومة الإيطالية.

وقال مسؤول أمني آخر على دراية بالقضية في طرابلس أن العقيد نوح أدرك أنه منذ ربيع عام 2016، كان لدى الإيطاليين شكوك في وجود علاقات قوية بين عصابات المافيا في البحر الأبيض المتوسط وداعش. ولذلك كان من المستغرب له أن يستأنف مدهاني أنشطته بين شواطئ ليبيا وإيطاليا.

وعلى هذا الأساس، أعد نوح التقرير بعد استعراض ما أفادت به وسائل الإعلام الغربية بشأن ما كان على رئيس وحدة مكافحة المافيا والإرهاب, الإيطالي فرانكو روبيرتي أن يقوله في هذا الصدد.

لا أحد يعرف ما حدث لتقرير نوح، ومن استلمه في روما، وما إذا كانت المعلومات الواردة فيه قد تم التحقيق فيها أم لا. مرت الأيام بسرعة حتى 14 أغسطس 2016، عندما اجتاحت الميليشيا الموالية للسراج مقر نوح في طرابلس، ونهبت وثائقه وأجهزة حاسوب أجهزة الاستخبارات.

وقال ضابط كان يعمل مع العقيد نوح: “في ذلك اليوم كنا نعد الشاي الصباحي في مكتب الإستخبارات في طرابلس. وفجأة، اقتحمت عناصر من ميليشيا هيثم التاجوري مقرنا الرئيسي. طردوا جميع الموظفين من المكتب، كنا خمسة . ثم صادروا الوثائق والأوراق والتسجيلات والحواسيب والأختام وغيرها من الأشياء “.

وقال الضابط أن جهاز الاستخبارات كان مشغولاً بعد ذلك بالتحقيق في قضية مدهاني والمافيا ومهربي النفط وداعش على السواحل الغربية في طرابلس، موضحاً أن ما حدث يبعث على الريبة.

وقال مسؤول يعمل مع السراج أن السراج لم يكن راضياً عما حدث، وبالتالي لا يمكن معرفة ما إذا كان يعرف شيئاً من هذا القبيل، أو أن جهاز المخابرات كان مستهدفاً في ذلك الوقت، أو ما إذا كان قد ربط هذا الحادث بقضية مدهاني.

وفي مساء ذلك اليوم، طُرد نوح من مكتبه , واستولت عناصر هيثم التاجوري على المكان.

ومع اختفاء العقيد نوح وموظفيه من مكان الحادث، لم يتم التحقيق في أنشطة مدهاني. ولكن في 5 سبتمبر  2016، خلال الحرب بين قوات البنيان المرصوص وداعش في مدينة سرت، تمكن المتاجرون بالبشر ومهربو المخدرات من جنوب ليبيا من تهريب العديد من المتطرفين إلى البلاد، وفقا لسجل التحقيقات في مكتب الاستخبارات العسكرية في مصراتة، المدينة التي تمثل العمود الفقري لقوات البنيان المرصوص.

ووفقاً للتحقيق، اعتقلت القوات رجلاً مالياً اعترف بالفرنسية من خلال مترجم، أنه مع مجموعته، التي تتألف من حوالي 100 مقاتل من بوكو حرام، دخلوا ليبيا عبر الكفرة وتوجهوا إلى سبها. هناك تم تقسيمهم إلى مجموعات صغيرة وحوالي 60 منهم أرسلوا إلى منطقة قريبة من صبراتة، حيث كان مدهاني حاضراً. استقبل الدباشي رئيس المجموعة في مسكنه، والبقية انتقلت من سبها إلى سرت لدعم داعش.

كما لاحظت القوى الأمنية في مصراتة في عام 2016 ارتباطاً قوياً وتنسيقاً بين كتيبة الدباشي في صبراتة وميدهاني، وزعيم سابق لتنظيم داعش في طرابلس محمد المدهوني وشعبان الزاوي من تنظيم القاعدة في مدينة الزاوية.

وفي الوقت نفسه، تم تعيين الدباشي من قبل المجلس الرئاسي في سبتمبر الماضي رئيساً للهيئة الغربية لحماية السواحل في طرابلس. وأدى هذا القرار إلى عشرات الأسئلة بين المتطرفين أنفسهم، وأدت تداعياته إلى عاصفة سياسية في إيطاليا بعد أن رأت روما أن الدباشي نفسه قد شارك في أنشطة الهجرة غير المشروعة مع المافيا المرتبطة بالمتطرفين، بما في ذلك داعش.

ولا يعرف أحد كيف تجرأ السراج على اتخاذ مثل هذا القرار, بالنظر إلى الفوضى التي تورط فيها الدباشي في غرب طرابلس، وهي حالة الفوضى التي لم تستبعد أي نشاط غير قانوني.

وفي الوقت نفسه، لم يعد مدهاني في دائرة الضوء منذ اختفاء الضباط الذين كانوا يراقبون تحركاته ونقل الأجهزة الأمنية لانتباههم إلى الدباشي.

وقبل تعيينه، وصلت جرافتان (وهي المصطلح الليبي لقوارب التهريب) إلى الساحل الغربي لمنتجع صبراتة، وكانت محمية من قبل أقارب الدباشي, حيث أقفلوا الطرق لتفريغ الجرافتين وتسليم الأسلحة لأصحابها في سوق المدينة.

وبعد يومين، وصلت ثلاث جرافات أخرى تحمل نحو 120 متطرفاً تونسياً وجزائرياً. استراحوا لعدة أيام في منطقتين في صبراتة، الأولى كانت سانية شرف الدين، والتي كانت محمية من قبل مجموعات متصلة بالزعيم المحلي الدوادي، والمنطقة الثانية هي منتجع أحمد الدباشي، والذي كان محمياً من قبل قواته . وكان أيضا هناك عناصر داعش الذين جاءوا من سرت.

واستمرت هذه الفوضى واختلاط المتطرفين والمهربين وعناصر المافيا حتى ظهرت تسريبات في إيطاليا في أغسطس الماضي بأن الشرطة الإيطالية تحقق في تقارير تفيد بأن عصابات المافيا تشترك مع داعش في الحصول على النفط المهرب من ليبيا.

وقال بن غزي “ما أعرفه هو أن كل مسار للمافيا وكل طريق للمتاجرين بالبشر ومهربي المخدرات وكل مسار من هذا النوع يحمل آثار المتطرفين ومسلحي داعش”.

وفي الطريق إلى الغرب من صبراتة، في زوارة، باتجاه الحدود التونسية، نفذت القوات الموالية للسراج عملية بارزة في أغسطس, أدت إلى اعتقال فهمي بن خليفة.

قبل عام، لم يكن بإمكان أحد أن يفكر في الاقتراب من فهمي الذي برر تهريب النفط إلى أوروبا لصالح جماعته المسلحة كحق للأقلية الأمازيغية مقارنة بعمليات التهريب التي يقوم بها العرب في مدن مثل صبراتة ومصراتة وغيرها .

وفي ليبيا التي تسودها الفوضى، تمكن فهمي والشركاء الأمازيغ الآخرون، بمن فيهم مهرب يدعى زلمات ومسؤول أمن محلي يدعى القرنازي، من تصدير عدة ناقلات نفط إلى مشتري البحر الأبيض المتوسط ​​بأسعار أقل بكثير من أسعار السوق.

.الفرق بين فهمي والمجموعات في صبراتة هو أن فهمي يعمل أساسا وفقاً للتوجهات العرقية وحماية الجماعات المتطرفة الناشطة على الحدود الليبية التونسية تأتي مقابل المال, ثم يذهبون في طرق منفصلة، وفقا لمسؤول أمني في زوارة. ومن ناحية أخرى، تستخدم جماعات صبراتة المتطرفين للسيطرة على المدينة بالقوة وتخويف المعارضين.

خلال فترة تولي أحمد الدباشي منصب رئيس هيئة حماية السواحل الغربية في طرابلس، كان لديه عدد كبير من المصريين والأفارقة الذين يريدون الهجرة بشكل غير قانوني. وهم يعتبرون أكثر الناس ضعفاً. بعد أن تم احتجازهم في مخيمات صبراته لفترات طويلة من الوقت وإنفاق جميع مدخراتهم، تبدأ العمليات في بيعهم إلى الجماعات المتطرفة.

ووفقا لتقرير صادر عن جهاز المخابرات الليبية، اكتشف أعضاء المجلس الرئاسي في منتصف سبتمبر أن أعضاء داعش يعملون في هيئة حماية السواحل برئاسة الدباشي. واكتشفوا أيضا أن طلبات تقديمهم تفيد بأنهم مواطنون ليبيون وإن كانوا من جنسيات مختلفة، بما في ذلك ماليين ونيجيريين وإثيوبيين وتونسيين ومصريين.

وعندما سًئل السراج عن من عين الدباشي رئيساً لهيئة حماية السواحل الغربية في طرابلس، ذكر اسم أحد القادة العسكريين في الزنتان، وتبين لاحقا أن القائد ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين.

ثم أضاف السراج أنه، عندما التقى بالدباشي بعد تعيينه، لم يشعر بالراحة وبعد ذلك اكتشف أنه كان قائداً لتنظيم داعش مما تسبب في إحراجه مع أصدقائه الإيطاليين. وألقى أعضاء الحكومة الإيطالية باللوم على السراج لطلبه من روما تقديم الدعم للدباشي.

وعندما ظهرت فضيحة تعيين الدباشي، انزعج الإيطاليون، وفي ذات الوقت شعر السراج بالانزعاج من تصريحات وزير الداخلية الإيطالي ماركو مينيتي حيث لمح إلى أن أعضاء المجلس الرئاسي ربما تعاونوا للإستفادة من نشاط المافيا والمتطرفين على الساحل الغربي للعاصمة.

وعندما بدأت المحاولات الأولى للتخلص من أحمد الدباشي والمجموعات المرتبطة به من خلال القوات العسكرية للسراج في صبراتة، اقتحمت هذه الجماعات، بما في ذلك جماعة مرتبطة بمجلس شورى ثوار بنغازي، سجن صرمان القريب بالتنسيق مع جماعة مرتبطة بتنظيم القاعدة في الزاوية، بحسب مصدر أمني في جهاز المخابرات العامة في طرابلس.

وأضاف المصدر قائلاً: “أرادوا تحرير المعتقلين واستخدامهم في المعركة ضد السراج. أرادوا الإنتقام “.

في 3 أكتوبر 2017، اشتعلت الحرب في صبراتة، وكانت جماعات الدباشي تقاتل حتى الموت بعد تلقي المقاتلين والأسلحة من الجماعات المتطرفة، مثل داعش والقاعدة.

وفي خضم هذه الحرب، لم يتمكن رئيس أركان القوات المسلحة الجنرال عبد الرحمن الطويل، والذي تتبع قواته أوامر السراج، من التوصل إلى وقف لإطلاق النار لحماية حياة الناس.

وانتهت قصة أحمد الدبشي في صبراتة عندما دخل الجيش تحت قيادة العميد عمر عبد الجليل إلى المدينة في أوائل أكتوبر. ولكن أين ذهب الدباشي مع مجموعاته والأسلحة والمال؟

ووفقا لتقارير المخابرات الليبية، تمكن الدباشي من نقل معداته العسكرية ومقاتليه في قوارب تابعة لإدارة هيئة حماية السواحل الغربية في طرابلس، ورسوا جميعاً على الشواطئ الواقعة شرق العاصمة بين الخمس  ومسلاتة وفي منطقة النقازة حيث يطلق داعش عملياته في ليبيا.

من جهة أخرى، شوهد أحمد الدباشي في مدينة الزاوية غرب طرابلس في نوفمبر الماضي.

 

 

 

 

 

 

الوسوم

أخبار ذات صلة