ثقافة

تحقيق على خطى جوته… رحلة حج في ربوع إيطاليا

وكالات
“نحن جميعا حجاج في طريقنا إلى إيطاليا”… كانت هذه هي كلمات الكاتب الألماني يوهان فولفجانج فون جوته والتي سجلها في قصيدة كرسها لتلك الدولة التي تشغل مكانة في قلبه لا تضاهيها أي دولة أخرى.
وفي أيلول/سبتمبر عام 1786، تخلي جوته، الذي يعتبر بمثابة النظير الألماني للأديب البريطاني ويليام شكسبير، عن وظيفته والتزاماته الشخصية في بلاده، كي يشرع في رحلة استغرقت عامين في مختلف أنحاء إيطاليا زار خلالها أماكن مثل بحيرة جارا ومدن مثل فيرونا وفينيسيا وبولونيا وروما ونابولي وصقلية.
وعندما عاد إلى بلاده، نشر جوته كتابا عن رحلاته اطلق عليه اسم “رحلة إيطالية”، ويستند هذا الكتاب على مذكرات الأديب الألماني خلال الفترة التي أمضاها في السفر. وحتى يومنا هذا، مازال هذا الكتاب يمثل جزءا لا يتجزأ من النظرة الألمانية إلى إيطاليا.
والآن، تحاول مواطنة إيطالية من المعجبين بجوته أن تكرر رحلة الكاتب الألماني عن طريق السير على خطاه، حيث بدأت فيينا كاماروتا 68/ عاما/ رحلتها سيرا على الأقدام من جنوب ألمانيا وهي تحمل في حقيبة ظهرها نسخة من كتاب “رحلة إيطالية”.
وتسلك كاماروتا نفس المسار الذي اتبعه جوته خطوة بخطوة، بل صفحة بصفحة، وهي تحمل شعورا بالفضول لمعرفة كيف تغيرت الأمور خلال 200 عام. ونظرا لأن حانة “شفارتسن أدلر” أي “الصقر الأسود” التي أقام فيها جوته أثناء وجوده في مدينة ميونخ لم يعد لها وجود بعد الآن، وشيدت بدلا منها محال تجارية، نزلت كاماروتا في فندق غير بعيد عن ميدان “جوته بلاتس” في ميونخ.
وبدأت كاماروتا، وهي موظفة حكومية متقاعدة من مدينة باسيتوم جنوب نابولي، رحلتها يوم 28 أب/أغسطس الذي يوافق عيد ميلاد جوته، من مدينة كارلسبلاد التي تشتهر بالمنتجعات الصحية في جمهورية التشيك.
وعبر مدينة ريجنزبرج على ضفاف الدانوب، وصلت كاماروتا إلى ميونخ في جو ممطر وتحت سماء ملبدة بالغيوم، وفي أجواء تكاد تتشابه مع الظروف التي وصفها جوته في كتابه قائلا: “استقبلني في صباح هذا اليوم في ميونخ ضباب تكاد تظنه مطرا”.
ومنذ ذلك الحين، تسير كاماروتا في رحلتها جنوبا، وسوف يتعين عليها أن تعبر بعد ذلك سلاسل جبال الألب النمساوية في طريقها إلى بلادها إيطاليا، “حيث تزدهر أشجار الليمون” على حد وصف جوته.
ويقول يوشن جولتس رئيس جمعية جوته في مدينة فيمار إن السير على خطا جوته ليس فكرة جديدة على وجه التحديد، وأضاف موضحا أن “جوته كان أول شخصية بارزة تقوم برحلة في ربوع إيطاليا، ولذلك فإن الوجهة التي اختارها هذا الكاتب كان لها تأثير كبير.
وأضاف جولتس: “بعد جوته، أصبح المواطن الألماني المتعلم يتطلع إلى إيطاليا”، وأن أي شخص يسافر إلى فينيسيا أو روما أو نابولي ربما يستخدم نفس الأوصاف التي أوردها جوته كي تساعده حتى يتبين الأمور من حوله، أو على أقل تقدير فإنه سوف يقرأ ما كتبه جوته بعد عودته من رحلته.
وفي عصر جوته، كانت الرحلات محفوفة بالمخاطر، وكانت المستنقعات بالقرب من روما مرتعا لنقل الأمراض، وكان اللصوص يختبئون على الطرق لمهاجمة المسافرين، ولم تكن الطرق معبدة بشكل جيد. وأمضى جوته قرابة عامين في رحلته على متن عربة تجرها الجياد.
ولكن كاماروتا لا تسافر على متن عربة، بل سيرا على الأقدام، وهي تأمل أن تقطع المسافة إلى إيطاليا في غضون شهرين تقريبا. وبحلول نهاية تشرين أول/أكتوبر، تأمل الرحالة الإيطالية أن تكون قد وصلت إلى بلدتها بايستوم مرة أخرى. وتقول كاماروتا إن “الدافع لدي هو أن أظهر لمن هم في مثل عمري أنه من الممكن القيام بهذه الرحلة”.
وأضافت: “وثانيا، أريد أن أوضح أننا نعيش في أوروبا، وأننا جميعا أوروبيون، وبالتالي لا توجد حدود بين الدول”.
وعلاوة على ذلك، تريد كاماروتا، التي تعمل كمرشدة للسياحة البيئية، أن تبعث برسالة بشأن نوع من السياحة أكثر بطئا وهدوءا. وتشير في هذا الصدد إلى أن جوته كان يسافر ببطء شديد، وكان يهتم للغاية بالثقافات والبشر الذين يمر بهم في رحلته.
ولاشك أن جوته كان ينظر بتعمق في نمط الحياة الإيطالية، حيث أنه لم يقتصر فقط على مشاهدة الكنوز الفنية أو العروض المسرحية، بل كان أيضا يحضر المهرجانات ويدرس الظروف الاجتماعية في نابولي، على حد قول جولتس.
وخرج جوته إلى الشوارع لدراسة أشكال الحياة اليومية واستخلاص العبر التي مازالت سارية حتى يومنا هذا، على اعتبار أنه يتعين على المرء أن يعرف الماضي حتى يفهم المشكلات الثقافية في العصر الحديث. ويقول جوته إن رحلته إلى إيطاليا كشفت له أن كل شخص له دور في المجتمع بشكل أو بآخر.
أما في هذه الآونة، فإن أسهل طريقة للقيام برحلة على نهج جوته هي بواسطة الحافلة عن طريق التوجه إلى بحيرة جاردا في جبال الألب الإيطالية شمالا، ومنها إلى فينيسيا وروما. فلا يود الكثيرون أن يقوموا بهذه الرحلة سيرا على الأقدام مثل كاماروتا.
وتقول كاماروتا إن الفضول والشغف بالسفر كانا هما الدافع وراء هذه الرحلة، وبعد إتمام الرحلة، فإن لديها أفكارا أخرى أكثر طموحا… فقد كان هناك على سبيل المثال رحالة شهير من فينيسيا يدعى ماركو بولو، وقد قطع هذا الشخص رحلة برية حتى الصين ثم عاد مرة أخرى.

أخبار ذات صلة